تقول أم شابة لوالدتها: كم كنتم محظوظين بنا كأبناء في ذلك الزمن الذي كان كل شيء فيه يسير بحسابات دقيقة، بين الكبار والصغار، بين الآباء والأبناء، كنا بلا صوت في حضرة آبائنا، نقبل كل ما تشترونه لنا، نأكل الطعام المعد في البيت دون كلمة اعتراض، لا نرفض، لا نتأفف، لا نعارض. أبناؤنا اليوم يملكون كل الصوت ويصادرون حقنا في تربيتهم.

وكانت الأم تنصت وتبتسم حتى أنهت الابنة حديثها! في النهاية قالت الأم: كأنك تريدين القول إن تربيتكم كانت سهلة وإننا لم نتعب معكم؟ وقبل أن تعلق الابنة، أكملت الأم: لكل جيل مشاكله وتحدياته، وأنا التي ربت صغارها في تلك السنوات البعيدة عن أيامنا هذه، أعلم تماماً كم عانت الأمهات، وكم تعبن وكم كانت الحياة قاسية، المسألة ليست في هذه المناكفات والمعارضات ونوعية الشخصية التي عليها أبناء اليوم، فللأمر زاوية أخرى لم تحاولي أن تنظري إليها، وهي الأصعب!

التربية أمر يخص الأسرة، وهي من تحدد آلياتها وحدودها وأفكارها والسلوكيات التي تريد أن يسير عليها الأبناء، فهؤلاء لا يمكنهم أو لا يجب أن يفرضوا إرادتهم أو شروطهم في عملية التربية، لكن الطفل كائن ذكي له رغباته وتطلعاته وشخصيته، ولا يمكننا أن نقمع كل ردود أفعاله، كما لا يمكن أن يرخى له العنان أو نفلته حتى يصير وكأنه خارج التوجيه والتربية بحجة الأخذ بالأساليب الحديثة، هناك معادلة دقيقة في التربية لم تنجح الكثير من الأمهات والآباء في تطبيقها: ننقل ميراث التربية الصحيحة لأبنائنا وفق معطيات العصر لكن بأكبر قدر من التوازن بين المطلوب والممكن وبين اللين والصرامة!

أما عن معاناة التربية قديماً، فقد لا تكون في الطلبات والاحتياجات والمؤثرات الحديثة التي تعيق دور الأسرة، لكن الحاجة الماسة، انعدام منظومة صحية وطبية وتعليمية، صعوبات الحياة والمعيشة، الجهل بأمور التربية والحياة، مواجهة الأمراض التي تصيب الأطفال والعجز عن توفير العلاجات، المشاكل والاحتياجات التي تنمو مع الأطفال بصمت، عدم وجود الآباء في البيت بسبب صعوبة الحياة وطلب الرزق.. كل هذا وضع على كاهل الأمهات عبئاً وأحمالاً مضاعفة لا تشعر بها أمهات اليوم.