ما يلفت النظر في السنوات الأخيرة تواتر الأخبار حول شركات السيارات ذات السمعة العالمية، والعيوب المدمرة في السيارات التي تنتجها مؤخراً، ما يضطرها لسحبها من السوق، الأمر نفسه يحدث مع صناعات الأدوية وأغذية الأطفال و..! فهل هناك اتجاه ممنهج نحو تفريغ الحياة من المعنى ومن قيم الجودة والإتقان والاحترافية، لصالح الرداءة والعجلة والاستغلال؟
وحتى لا نعمم الحكم، ونظلم الكثير من المؤسسات والأشخاص والشركات التي لا تزال حريصة على إرثها من قيم الإتقان نقول: «إن تآكل القيم أمر لا ينكر، إلا أنه لا يصح اعتباره أمراً مطلقاً وعاماً، لأن الإنسانية لا تزال تحتفظ في مناطق كثيرة جداً بجذر عميق يربطها بقيمها وإنسانيتها وأخلاقها، ويدفعها نحو المحافظة على كل ذلك، كما يجعلها تتعاطف وتنصر الحق وقيم العدالة والحرية رغم الشراسة والتوحش».
نعم، هناك اندفاع واضح نحو الفردانية الفجة نتيجة سياسات وتوجهات معروفة، كما أن قيم العائلة التي نعرفها جميعاً، وتعرفها كل المجتمعات آخذة هي الأخرى في التآكل والتلاشي، وبوتيرة عالية لخدمة وفائدة السوق والرأسمالية، ومصالح فئة محدودة من أصحاب المليارات!
اليوم يعلو صوت الاستهلاك بشكل غير طبيعي، وتعلو معه أشكال من المواد والبضائع والأطعمة والملابس التي تتحول بكل سهولة إلى مكبات النفايات، وثقافة الحياة بمنطق «التخلص السريع» من الأشياء بعد استخدامها لمرة واحدة مثل أكواب القهوة الورقية وعلب الهدايا والملابس والمناديل والأواني... إلخ، إن ثقافة الاستهلاك هذه مع تآكل موارد الطبيعة وشدة الصراع الدولي وتزايد أعداد السكان أدت بطبيعة الحال لتدني قيم الاحتراف والإتقان وتغليب قيم الربح والمصلحة على حسابها.
يتطلب الإتقان الكثير مما لم يعد متوافراً، وأهمها سلم رفيع من القيم الاجتماعية المنضبطة، إضافة لمنظومة تعليم متطورة، وتفعيل دور الأسرة وآليات الرقابة المجتمعية وأولها رقابة الإعلام «نحن نرى إلى أين وصل الإعلام التقني والرقمي اليوم وكيف تخلى عن دوره».
إن ما يحدث على مستوى الصراع الدولي على مناطق النفوذ وموارد الطاقة والأسواق العالمية يقول بشكل واضح: «إن الضمير الإنساني يتآكل بالفعل، وتتم التضحية بحقوق الإنسان بدل مناصرتها، ويتم الاتجار بمواردهم وأراضيهم ومصائرهم، لصالح عظمة الدول أو جنون عظمة البشر الذي تفوق على جنون البقر!».