في بناء الدول والمجتمعات، تحتاج هذه لعناصر وشخصيات وأسماء فاعلة ومؤثرة وموهوبة في كل المجالات: السياسة، الاقتصاد، التعليم، الرياضة، الفن، الصحافة، الأدب، الإدارة، المال... إلخ، شرط أن من يصنع هؤلاء ويقدمهم ويرفعهم هو ثقافتهم واحترافيتهم وتعليمهم واشتغالهم على أمر بناء شخصياتهم وعقولهم واستقلاليتهم ومخزونهم المعرفي، وليس أي شيء آخر!

في وقت الحاجة، لن يحتاج العمل أو المجتمع إلا لأهله الحقيقيين المنتمين، الذين يمكنهم أن يملأوا أماكنهم بكل ثقة، وأن يكونوا أصواتاً حقيقية وروافع قوية، وعقولاً مستنيرة وعاقلة، بعيدة عن الغوغائية والحماقة والضعف والاستخفاف بكل شيء لإثبات أنفسهم!

في عالم الفن «على سبيل المثال والقياس جائز في كل المجالات» هناك فنانون قد يكونون موهوبين أمام الجمهور، لكنهم بعيداً عن الكاميرا ليسوا سوى أشخاص تافهين، ليس لديهم أي معرفة أو ثقافة أو حتى سلم قيم ينطلقون منه في فنهم وحياتهم، وهناك فنانون بلا موهبة ولا شخصية، مجرد فقاعات صنعتها شركات العلاقات العامة والواسطة، ومهدت لهم العلاقات الخاصة الطريق ليتصدروا الفضائيات والبرامج الجماهيرية والحفلات والجوائز... ثم ماذا؟ لا شيء! فلماذا كل هذا الاعتناء بهم؟

ورغم كل الهزات التي تمر بها المجتمعات، ورغم التحولات الكبيرة، والمنافسات الشرسة التي تقتضي البحث عن الأجود والأفضل والأقوى في كل المجالات، إلا أن هناك من لا يزال يقدم أمثال هؤلاء، لماذا؟ وماذا يستفيد المجتمع منهم؟

في كتابه «نظام التفاهة» يؤكد الكاتب الكندي آلان دونو على حقيقة أن التفاهة صناعة يقف خلفها جماعات ومؤسسات في كل العالم وكل المجتمعات، فخلف هؤلاء التافهين والتافهات يقبع تكتل هائل من المصالح والعلاقات، وأول ما يدمره هذا التكتل هو المجتمع وتماسكه وقيمه وسمعته!

لذلك لا بد من الاهتمام أكثر وأكثر بمجالات العلم والثقافة والأدب، والتركيز على الأشخاص الحقيقيين في هذه المجالات، لا بد من اكتشافهم وتدريبهم والعناية بهم والارتقاء بمواهبهم وتقديرها، فهؤلاء هم صوت المجتمعات الحقيقي، ومعاملتهم كاستثمارات حقيقية وكأصول سيادية، فالاستثمار في الإنسان هو واحد من مسلمات سياسة الإمارات منذ نشأتها!