كلما قرأت أكثر في موضوع الكتابة والإبداع واشتراطاتها وظروفها، تساءلت أكثر عن ماهية العوامل التي تتفاعل تحت جلد الواقع لتدفع شخصاً إلى الواجهة ليصبح كاتباً يشار إليه، وأديباً ينال الاستحسان والجوائز.
هل يولد الشخص مصحوباً بخريطة جينية تؤكد انتماءه للأدب؟ ومن ثم تقوده خطواته للإبداع لا محالة؟ أم أن الصدفة قد تخلق المبدع؟ والمؤسسات والأيديولوجيا هل لها علاقة بتخليق الأديب والمفكر بشيء من التربية وغسل الدماغ؟ باختصار: كيف يصير الشخص كاتباً وأديباً؟
وهنا فإن السؤال يدور حول الكاتب أو الأديب الحقيقي، الإنسان الذي ينتج نصوصه بنفسه، منطلقاً من إنسانية شاسعة، وقناعات صقلتها التربية، ومخزون المعرفة، والكثير من التجارب والعلاقات والقراءات، الأهم أننا نتحدث عن كاتب متموضع في وجدان وبيئة وعمق مجتمعه وأهله، ليس بطارئ ولا منقطع الصلة ولا يعيش في برجه الخاص ولا يعاني نوعاً من الفوقية والاغتراب.. كاتب ابن مجتمعه.
كيف يتشكل هذا الكاتب؟ ومن يشكل موهبته؟ أسرته وأصدقاؤه وقراءاته أم ظروفه الحياتية (الرخاء، البؤس والفقر، الطبقة الاجتماعية...؟)، نطرح السؤال بأدق تفصيلاته لأنه قديم قدم الأدب أولاً، ولأنه مطروح دائماً، وبإلحاح يتطلب البحث والمراجعة المستمرين ثانياً، أما ثالثاً فلأنه لا مسلمات في الفكر والأدب.
الكل يحاول ويجتهد ليقدم إجابته، هذه الإجابات تشكل درساً قيّماً لا غنى عنه للبشرية في معرفتها لمفاتيح العبقرية وتربية الإبداع والموهبة، ذلك أفضل من التسليم بالصدفة وخرافة وادي عبقر! والحقيقة أنه في تكوين المبدع هناك من يقول إن الأدب وليد المعاناة والفقر واليتم و.. غير أن ليو تولستوي كان إقطاعياً لم يمنعه الثراء من إنتاج سرديات خالدة حتى اليوم، ومن يقول إنه وليد الألم والمرض والحرمان بينما الشاعر أحمد شوقي تربى في قصر، وجورج أورويل كان ابن طبقة أرستقراطية، وهناك من يقول إن الخوف هو الدافع للإبداع! فهل كان مارسيل بروست خائفاً وهو مستلقٍ في قصر والديه يستعيد ذكريات طفولته وشبابه بكل دقائقها ليقدم لنا «بحثاً عن الزمن المفقود» أضخم رواية في الأدب المعاصر؟