الحسد سلوك إنساني قديم قِدم الخليقة ذاتها. وأول جريمة في تاريخ البشر لم تكن سوى ثمرة مُرة من ثماره، حين قتل قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله تقبّل قربان أحدهما ولم يتقبّل من الآخر. منذ تلك اللحظة الأولى، تسلّل الحسد إلى نفوس البشر، فكان سبباً في جرائم، وحروب، وانهيارات، حتى عدّته الديانات السماوية من الخطايا المهلكة؛ لما يحمله من خراب داخلي قبل أن يتحوّل إلى أذى خارجي.

وفي أيامنا هذه، يمكن القول إن الحسد لم يعد خفياً أو مستتراً، بل صار أكثر انتشاراً ورواجاً، وبشكل مقلق، فمع أن فرص النجاح والتفوق والازدهار باتت متاحة للجميع، إلا أن الصورة الباهرة للناجحين، سواء كانوا أفراداً أو دولاً أو مشاريع كبرى، والتي تُضخ يومياً عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، أصبحت تستفز الكثيرين، وتوقظ فيهم نوازع الغضب والضيق. وهكذا خرج الحسد من دائرة الإنكار أو التبرير، ليغدو سلوكاً واضحاً لا يمكن تجاهله.

ولم يقتصر الحسد على الأفراد فحسب، بل تمدّد ليصير سياسة، بل ومنهجاً، فكم من دولة عظمى تدخّلت في شؤون دول أقل منها قوة، بذريعة نشر الديمقراطية أو حماية حقوق الإنسان، بينما الحقيقة العارية تكمن في الطمع بثروات تلك الدول، وحسد مقدّراتها، فالسؤال الجوهري الذي يحرّك تلك السياسات هو ذاته منذ فجر التاريخ: لماذا لا تكون هذه الثروات لنا؟ ولماذا ينجح غيرنا ولا ننجح نحن؟

ومن هذا السؤال تبدأ الحكاية كلها؛ حكاية الحسد الذي يدفع صاحبه إلى تخريب نجاح الآخرين أو السيطرة عليه، بل وتدمير الدول إن استطاع، وإلا فكيف نفسّر الحروب الكبرى التي شهدها القرن العشرون؟

اليوم، نحن وللأسف الشديد، نواجه حسد البعض ممن يحسدوننا على نجاحنا، وعلى استقرار اقتصادنا، وعلى مستوى المعيشة المتقدم في إماراتنا الغالية، يحسدوننا على قيادتنا الرشيدة، وعلى ما يناله المواطن من حقوق وخدمات، ويحسدون مشروعنا التنموي الذي حقق في زمن قياسي ما عجزت دول أكبر وأغنى وأقدم عن تحقيق عُشره.

إن هذا النجاح المدوي هو إنجازنا، ومكسبنا، ووجودنا، وهو أمانة في أعناقنا، علينا حمايته والدفاع عنه بكل ما نملك، وألا نسمح لأحد، كائناً من كان، أن يقترب منه حتى بكلمة. ومن تجرأ فجوابنا على قدر مكانتنا، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم!