دبي مدينة تتوسد البحر، موقعاً وحياة، ماضياً وحاضراً، أهلها أهل بحر، به ارتبطوا وعليه نشؤوا ومنه استمدوا سماتهم، واتساع أفقهم، منحهم البحر فرصاً لا تعد ولا تحصى، ليطلوا منه على العالم، فكانوا -بفضله- صيادي سمك، غواصي لؤلؤ، وطواشين.
تجار اللؤلؤ الكبار الذين نقلوا لؤلؤ الخليج إلى الهند ومنها إلى مدن أوروبا، حيث تزينت به أعناق الملكات والأميرات الأوروبيات، كانوا تجاراً في كل المجالات، جابوا من خلال تجارتهم وبضائعهم كل موانئ العالم ومدنه في تلك الفترة الممتدة حتى نهاية الخمسينيات.
عندما كان يعود من أسفاره الطويلة، كان والدي يحكي لنا عن تلك المدن التي حط فيها رحاله، وباع ما لديه واشترى، كنت أسمعه يتحدث عن البصرة مثل من يتحدث اليوم عن باريس، (من لم يرَ البصرة يموت من الحسرة)، هكذا كان يقول وهو يقلب في كفه تمراً أحضره من هناك، وكان يحب البحرين ويسميها ماء العين، وتحدث عن (بمبي) والكويت والظهران.. وأما خالي فقد كان معروفاً بـ(عبيد الاستاد) والأستاد هو اللقب المرادف للقب المعلم الحاذق المشهور والمشهود له في حرفته، وقد كان خالي صانع سفن لا يُشق له غبار، وكان أهلنا قديماً يسمون صانع السفن (جلاف) والمهنة تسمى الجلافة (أي صناعة السفن).
تتلمذ خالي (عبيد بن سلوم) على يد أستاذين شهيرين في خمسينيات القرن الماضي، هما (موسى الاستاد) والمغفور له (سيف بن محمد بالقيزي الاستاد) صانع السفن الشهير المولود عام 1924، والذي توفي عام 2018، بينما توفي خالي قبله بسنوات وتحديداً عام 2009، أما موسى فكان أول الراحلين، غفر الله لهم جميعاً.
وقد كان هؤلاء الثلاثة أشهر الحرفيين في حرفة صناعة السفن بمنطقة ديرة.
هذه الحرفة المرتبطة بالبحر في كل تفاصيلها، وقد كنا أطفالاً لا نعي من أمر ما يحدث حولنا شيئاً، إلا أنني أتذكر بعض الصحف الأجنبية التي كانت تحضر لإجراء مقابلات واستطلاعات مفصلة عن حرفة صناعة السفن، وكنا نختبئ منهم لغرابة أشكالهم وثيابهم.