يقول ديستوفسكي: «يحدث أن تمر بك فترة صمت، لا مزيد من الكلام، لا مزيد من الشعور، لا مزيد من الأشخاص» لا بد أن كل إنسان مر بهذه الحالة ولو مرة واحدة في حياته، تلك اللحظة الحاسمة التي يشعر فيها الإنسان أنه يود لو يسقط من حسابات الوقت والبشر، ويسقطهم من حساباته، فلا يتكلم مع أحد، ولا يريق مشاعره لأحد، ليس كراهية لأحد، لكنها لحظة الصمت الوجودية التي لا بد أن ندخلها كما ندخل كهفاً عميقاً نجرب السير فيه لأول مرة في حياتنا!

في لحظة الصمت هذه، حيث لا تفاعل ولا أحاديث ولا شوق ولا غضب ولا نقاشات فارغة، هذه الحالة تأتي غالباً بقرار نصل إليه بعد أن نكون قد استنفدنا كل طاقتنا واندفاعنا نحو أنس العلاقات الإنسانية، أو ما نظن أنه كان أنساً إنسانياً، لكننا نكتشف ونحن نتعثر ونتعرقل، ونراوح يميناً ويساراً، أننا لا نعيش ذلك الإنسان الذي نحدث أنفسنا عنه، أو الذي نتخيله، لكننا نستنفد عواطفنا وأعصابنا وعطاءنا مع أشخاص أنانيين في معظمهم أو غير مبالين، ساذجين ربما أو مرضى نفسيين، نرجسيين أو معطوبين في حساسيتهم الإنسانية، لحظة الاكتشاف هذه تصدمنا أولاً، ثم تضعنا أمام أنفسنا، ثم تدخلنا في كهف الصمت كي نلعق جروح أرواحنا بمعزل عن الضجيج!

هذا الحال هو نفسه الذي عبر عنه الشاعر المصري المعروف أمل دنقل حين قال: «إنك لا تدرين معنى أن يمشي الإنسان ويمشي، بحثاً عن إنسان يشبهه، حتى تتآكل في قدميه الأرض، ويذوي من شفتيه القول!» هذا بالضبط ما يصل إليه الإنسان حين يقطع الحياة، وفي النهاية يوقن أن كل الطرق التي مضغت أقدامه وخطاه لم تكن هي الطرق التي كان عليه أن يقطعها، لأنه لم يجد ما كان يمشي ليصل إليه، لحظتها يصمت، أو كما قال دنقل: «يذوي من شفتيه القول»، فإما أن يصمت أو أن لا يعود مؤمناً بثمار الطريق، فلا ثمار بعد كل هذا المشي المجدب، ولا حل سوى الصمت!