بالرغم من أهمية وخطورة ما تشهده المنطقة العربية، والشرق الأوسط بوجه عام، من أحداث وتطورات متلاحقة، تفرض نفسها على كل الأطراف وكل الدول والشعوب، بل وتثير قلقها ربما أكثر من أوقات كثيرة مضت، إلا أن القضية العربية المركزية، ونعني بها القضية الفلسطينية، تظل تحظى باهتمام مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وحتى إذا انزوت قليلاً، أو تراجع اهتمام البعض بها لسبب أو لآخر، فإن الجميع دون استثناء يدرك جيدًا أنها ستظل بالفعل مفتاح السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
وبينما يشكل ذلك نوعًا من الأمل في أن القضية الفلسطينية ستظل دومًا موضع ومحط اهتمام مختلف الأطراف، بغض النظر عن مراوغة طرف أو أنانية أطراف أو أطماع القوة قصيرة النظر التي تريد الحفاظ على الأمر الواقع طالما أنه يخدم مصالحها، فإن الاتصالات والمحادثات المصرية الفلسطينية المكثفة خلال الأيام القليلة الماضية، التي جرت في القاهرة والتي شملت كلاً من السلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس محمود عباس، وحركة حماس ممثلة في رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ورئيس حكومتها المقالة في قطاع غزة إسماعيل هنية، من شأنها أن تبعث قدرًا من الأمل في إمكانية السير خطوة عملية على طريق تنشيط المصالحة الفلسطينية مرة أخرى وتحويل اتفاقاتها إلى خطوات وإجراءات عملية تتجاوز تكتيكات الصراع بين فتح وحماس، وتفتح الطريق بالفعل أمام الوصول إلى الهدف النهائي وهو استعادة اللحمة الفلسطينية مرة أخرى، ووضع نهاية لما يمكن وصفه بدون مبالغة، بأنه أخطر انقسام حدث في الصف الفلسطيني منذ بداية القضية الفلسطينية، لأنه الانقسام الذي تخندق في مؤسسات، وانعكس على انقسام أو محاولة تقسيم للأراضي الفلسطينية بشكل أو بآخر، وكل يوم وشهر يمر على هذا الوضع المعوج فإنه يغذي التباعد بين الفلسطينيين في النهاية.
وخلال الفترة الماضية جرت الكثير من المحاولات، وتم كثير من الاتفاقات بين فتح وحماس، وعلى أعلى المستويات، غير أنه سرعان ما كان ينتهي ذلك ويتجمد بسبب تجدد الخلافات، وتبادل الاتهامات والتراجع عن ما تم الاتفاق عليه، فهل ستنجح الجهود المصرية هذه المرة؟ خاصة وأن إسماعيل هنية قد زار القاهرة لأول مرة منذ سنوات عديدة حيث تم تناول العديد من القضايا التي تهم قطاع غزة والمصالحة الفلسطينية بالطبع التي كان قد تمت مناقشتها مع عباس ومشعل قبل أيام.
ومع الوضع في الاعتبار أن مصر تواصل وستواصل جهودها فيما يتعلق باستعادة المصالحة واللحمة الفلسطينية بين فتح وحماس وكل الفصائل الفلسطينية، وذلك من منطلقات أمنية وسياسية، مصرية وفلسطينية وعربية وإقليمية، فإن التحرك العملي على طريق المصالحة يظل قرارًا فلسطينيًا يرتكز على ساقين هما فتح وحماس، ومن ثم فإنه من المأمول أن يأتي القرار الفلسطيني بالعودة إلى السير على طريق المصالحة والإعداد للانتخابات القادمة على النحو المتفق عليه من قبل حتى يكون الخروج من حالة الانقسام الراهنة عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال فرض الأمر الواقع والتمسك به، خاصة وأن التطورات الراهنة تفرض ضرورة إعادة النظر في أشياء كثيرة، والمؤكد أن المصالحة الفلسطينية هي أكثر أسلحة الفلسطينيين تأثيرًا في مواجهة العدوان الإسرائيلي