نجحت الثورة المصرية في فرض إرادتها، واستطاعت ان تنتصر على نظام مبارك للمرة الثانية في غضون “18 شهراً”، وان تنصّب “محمد مرسي” رئيساً للجمهورية بفضل وعي الشعب المصري، والتفافه حول الثورة السلمية، وقد عانق الكرامة والحرية، بعد أن كسر حاجزي الخوف والصمت ليكتب التاريخ من جديد.

معركة رئاسة الجمهورية في مصر جسدت الصراع بين الثورة وأعدائها من فلول النظام وقوى الشد العكسية في الداخل والخارج، والتي تصر على بقاء مصر مسلوبة الارادة، مكبلة اليدين، مرهونة للمساعدات الخارجية وعلى بقاء الشعب المصري رهينة لثالوث القمع والفساد والتوريث، رهينة للفقر والمرض والأمية، يعيش في العشوائيات وبين القبور، بعد أن كانت أم الدينا وريحانة الله في أرضه.

وفي هذا الصدد، فلا بد من الاشارة الى بعض الحقائق المضيئة التي فرضها الربيع العربي، وسيكون لها تداعياتها الايجابية على كافة الدول الشقيقة، ونعني الديمقراطية الحقيقية والانتخابات النزيهة وتداول السلطة، احتكاماً لصناديق الاقتراع.

إن من تابع مشهد الانتخابات الرئاسية في مصر على وجه التحديد وطوابير المواطنين المصريين والمصريات أمام مراكز الاقتراع ليدلوا بأصواتهم، ويختاروا مرشحهم، يتأكد بأن مصر دخلت عصراً جديداً، ومرحلة جديدة، ولن تعود عقارب الساعة الى الوراء، وهو في تقديرنا الانجاز المهم للثورة. وقد أحيت في المواطن المصري، الشعور بالمسؤولية وأشعرته بأهمية المشاركة في صنع القرار، وأهمية المشاركة في صنع المستقبل لأبنائه وأحفاده، بعد ان تم طي صفحة العبودية والظلم والفساد، صفحة الأحرار والعبيد، صفحة العمدة والعزبة.

وما دام الشيء بالشيء يذكر، فلا بد من الاشارة الى ان جلالة الملك عبدالله الثاني، هو أول قائد عربي انحاز للربيع العربي، ولِحقّ الشعوب العربية في المظاهرات والاعتصامات السلمية، وهو ما أقرته الدساتير، ما دامت هذه الشعوب حريصة على الممتلكات العامة، وعلى الحفاظ على النظام واحترام القانون، ومن هنا وخلال أكثر من “16” شهراً لم ترق قطرة دم واحدة، واصبح الحراك الشعبي الأردني حالة متميزة، ونموذجاً يحتذى في المنطقة.

لقد وجد جلالة الملك في الربيع العربي فرصة للتسريع في انجاز مسيرة الاصلاح وتجاوز العقبات التي تعترضها، معتمداً على الحوار كسبيل وحيد لتحقيق الوفاق الوطني، وهو ما تحقق - بحمد الله - بأفضل صورة في التعديلات الدستورية، التي انبثقت عنها المحكمة الدستورية، والهيئة المشرفة على الانتخابات، في حين فشلت الأنظمة التي اعتمدت على القوة العسكرية والحلول الأمنية، وها هي سوريا تغرق في بحر الحرب الأهلية، وقد أصبح الباب مشرعاً للتدخلات الاجنبية.

مجمل القول : فوز د. محمد مرسي برئاسة الجمهورية المصرية الرابعة يعني أن مصر دخلت مرحلة جديدة، وبدأت تكتب تاريخاً جديداً، عنوانه أن لا بديل عن الديمقراطية وتداول السلطة احتكاماً لصناديق الاقتراع لاقامة الدولة المدنية الحديثة، التي نأمل أن تترسخ في ظل العهد الجديد.