من المعروف أن عملية السلام في الشرق الأوسط ما زالت مجمدة عمليا، بل وتمت إزاحتها جانبا، سواء بسبب تصميم اسرائيل على المضي قدما في سياساتها الاستيطانية، وتوسيع عملياتها في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة، برغم علمها بما يمكن ان يترتب على ذلك من نتائج، او بسبب التطورات التي تعيشها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وهي تطورات جعلت الجميع يعيش حالة من الترقب والانتظار تحسبا لما يمكن ان تواجهه المنطقة من تداعيات، بدأت بعض ملامحها في الظهور والكشف عن نفسها، بشكل او بآخر خلال الفترة الأخيرة.
ولأن اسرائيل تعرضت خلال الأشهر الأخيرة لموجة انتقادات حادة على المستوى الدولي بسبب موقفها المذري من الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في سجونها، وبسبب عملياتها الاستيطانية الشرهة في القدس الشرقية، فإن حكومة نتانياهو أرادت فيما يبدو تليين موقف السلطة الوطنية الفلسطينية، وموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، المتمسك بموقفه الرافض لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، ما لم توقف حكومة نتانياهو عمليات الاستيطان، وكان قرار تسليم رفات 91 فلسطينيا ممن قتلوا في عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية خلال السنوات الماضية، خطوة في هذا الاتجاه.
ومع الوضع في الاعتبار أن إسرائيل لا تقدم على أي خطوة، خاصة تجاه الفلسطينيين، الا اذا كانت تريد من ورائها نتيجة ما، فإن تسليم رفات اكثر من تسعين فلسطينيا إلى ذويهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، هو بالفعل خطوة أراحت عائلاتهم التي انتظرت عودة جثامينهم لسنوات طويلة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل حكومة نتانياهو صادقة بالفعل في التحرك نحو تنشيط عملية السلام مرة أخرى واستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين أم أنها تريد فقط الصدى الإعلامي للخطوة التي اتخذتها؟
وإذا كانت خبرة السنوات، بل العقود، الماضية تؤكد على نحو قاطع ان إسرائيل في مواقفها وتحركاتها ذات الصلة بعملية السلام في الشرق الأوسط، ولاسيما فيما يتصل بحل الدولتين، تفتقد إلى المصداقية، ولا تعرف الالتزام بما تتخذه أو تعلنه من مواقف، ولا بما توقع عليه من التزامات، والأمثلة في هذا المجال اكثر من أن تحصى، فإن الخطوة التي اتخذتها حكومة نتانياهو بتسليم رفات اكثر من تسعين فلسطينيا، والتعهد بتسليم دفعة أخرى من الجثامين، قد تنحصر في اطار ممارسة العلاقات العامة، ومحاولة جر السلطة الفلسطينية إلى مائدة المفاوضات مرة اخرى، خاصة في هذه الظروف التي تحاول فيها حركتا فتح وحماس تجاوز خلافاتهما والسير نحو تشكيل حكومة وفاق وطني فلسطينية تقوم بالإعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية الفلسطينية القادمة.
وكلما اقترب الفلسطينيون من الاتفاق بينهم في هذا المجال، كلما زاد قلق إسرائيل التي تتخوف بالفعل من اي تقارب بين فتح وحماس، وتسعى إلى عرقلته وإفشاله بكل السبل الممكنة.
ولذا فإن المواقف الإسرائيلية التالية خلال الأسابيع القادمة ستحدد بالضرورة والى حد كبير مدى استعداد إسرائيل للسير نحو مفاوضات جادة تتوقف معها أعمال الاستيطان في القدس الشرقية المحتلة، ويمكن أن تتمخض عن نتائج مرضية للفلسطينيين، وتتجاوب مع تطلعهم إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية