لم يعد من نافلة القول، التأكيد ان الحقيقة الأهم التي أكد عليها الربيع العربي، هي احترام ارادة الشعوب، وحقها في الحرية والكرامة والديمقراطية، وتداول السلطة، وان مصير أي نظام يتجاهل هذه الحقوق، أو يتنكر لها، سيكون مشابهاً لمصير مبارك، ومن لف لفه من الطغمة الفاسدة، التي حولت مصر العزيزة، الى بلد فقير خاو، يعيش اكثر من خمس ابنائه في العشوائيات، فيما يهرب الشباب المصري الى المجهول في ادغال افريقيا أو يركبون زوارق الموت طلباً للحرية ولقمة العيش الكريمة.
الثورة المصرية المجيدة، كشفت مأساة مصر المروعة، وكشفت الكارثة التي حلت بها بفعل سياسة مبارك، فبعد ان كانت في طليعة الدول العربية والاسلامية والافريقية، أصبحت في ذيل هذه الدول، وقد رهنت ارادتها بالمعونة الاميركية، وتخلت عن دورها القومي الطليعي، واصبحت مجرد تابع لواشنطن تدور في فلكها، ووسيط بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني، في وقت كانت فيه رأس الرمح في مواجهة العدوان، والحاملة للمشروع القومي العربي.
ان الحكم بالمؤبد على مبارك لمسؤوليته في مقتل اكثر من 800 شاب وشابة من ابناء مصر البررة، الذين ثاروا طلباً للحرية والكرامة، وفي اخلاله بواجباته السياسية والاخلاقية والوطنية، يؤكد ان الحاكم مسؤول عن حماية شعبه، ويتحمل وزر كل نقطة دم تسفك، بموجب القانون، وان التاريخ لا ينسى، وحكم الشعب لا يتأخر أبداً، ليكون عبرة لغيره ولجميع من تجرأوا على شعوبهم، وسفكوا دماء الابرياء، ارضاء لغرورهم ونزواتهم.
يجب التوقف طويلا وملياً امام درس مصر الثورة، وامام حقائق الربيع العربي، التي ارتسمت في ليبيا وتونس واليمن وسوريا.. وغيرها، وهي ان لا سبيل امام الانظمة الا التسليم بحق الشعوب في الاصلاح والتغيير، وفي الديمقراطية والانتخابات النزيهة والشفافة، وفي تداول السلطة احتكاماً لصناديق الاقتراع لاقامة الدولة المدنية الحديثة، وان طريق الحوار هي الطريق الوحيدة النافذة بين الانظمة والشعوب، فهي الكفيلة بالوصول الى الوفاق الوطني، والتي تجلت بأجمل صورها في الاردن بفعل ترحيب جلالة الملك عبدالله الثاني بالربيع العربي، والاستجابة لتطلعات الشعب، واصراره على قيادة مسيرة الاصلاح لتؤتي أُكلها بأسرع وقت ممكن، بعون الله.
لقد أثبتت الاحداث المروعة في ليبيا وسوريا، فشل الاحتكام للقوة العسكرية والحلول الامنية، وما الطريق الوحيدة لانقاذ القطر الشقيق من كارثة الحرب الاهلية التي اشتعل اوارها الا الاستجابة لشروط المبعوث الدولي والعربي كوفي عنان، قبل ان تخرج الامور من تحت السيطرة.
مجمل القول: لا بديل امام الانظمة الا الاستجابة لارادة شعوبها، في الحرية والكرامة والديمقراطية، واي نظام يتنكر لهذه الحقوق المقدسة، لن يكون مصيره أفضل من مصير مبارك وزمرته الذين استباحوا مصر، فحكم عليهم الشعب المصري بالسجن المؤبد.
انها ارادة الحق والعدل. وعين الله التي لا تنام.