في الوقت الذي تواجه فيه إسرائيل موجة من الانتقادات الحادة والمتزايدة على الصعيد الدولي، سواء فيما يتصل بعمليات الاستيطان والقضم المنظم للأراضي الفلسطينية المحتلة لتهويدها وتغيير ملامحها ومعطياتها، أو فيما يتصل بانتهاكاتها المنظمة والممنهجة لحقوق الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وبما يخالف وينتهك كل القوانين والأعراف والقرارات الدولية، فإن هناك بعض المؤشرات والتطورات التي تبدو صغيرة ولكنها تتسم بقدر غير قليل من الأهمية فيما يتصل ببعض القضايا أو التطورات، والتي تعكس توجهًا إسرائيليًا يتبلور أو يزداد وضوحًا بشكل أو بآخر، وهو ما يبرر التوقف قليلاً أمامها.
ولعل من أبرز هذه المؤشرات الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين السلطات الإسرائيلية والأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل، وهو الاتفاق الذي أدى إلى إنهاء إضراب استمر 28 يومًا من جانب أعداد متزايدة من الأسرى الفلسطينيين، وصلت إلى نحو ألف وستمائة أسير. ومع الوضع في الاعتبار أن هذا الاتفاق هو الأول من نوعه، كاتفاق جماعي بين الأسرى الفلسطينيين وسلطات السجون الإسرائيلية، فإن أهميته تتمثل في أنه انتزع بعض المزايا للأسرى الفلسطينيين.
ومنها وقف بعض الممارسات التي يتعرض لها الأسرى كعقاب فردي وجماعي للتنكيل بهم. يضاف إلى ذلك أن هذا الاتفاق، الذي تم بوساطة مصرية، يعني بشكل أو آخر أنه يمكن للأسرى الفلسطينيين الضغط على إسرائيل ورفض بعض ممارساتها ضدهم والحصول على مكاسب من خلال موقفهم الجماعي، خاصة وأن الأسرى الفلسطينيين حرصوا دومًا على الارتفاع على انتماءاتهم الفصائلية، بخلافاتها وصراعاتها ومنافساتها التي يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها في النهاية.
ومن هنا تحديدًا فإن اتفاق الأسرى هو أيضًا رسالة إلى كل الفصائل الفلسطينية تؤكد أهمية وضرورية التضامن والتلاقي وتجاوز الخلافات وتوحيد المواقف، لأن ذلك هو سبيل استعادة الحقوق الفلسطينية. أما المزايدات والتناحر وتسجيل المواقف وتوظيف الإعلام للنيل من الآخرين فإنه لا يحل قضية، ولا يعيد حقًا.
أما المؤشر الآخر فإنه يكمن في السعي الإسرائيلي إلى العودة إلى استئناف المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو سعي يتسم بالمناورة والمراوغة إلى حد بعيد. فبالرغم من أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد دومًا على أهمية وضرورة وقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي كتمهيد لاستئناف المفاوضات، إلا أن نتانياهو في رسالته إليه تعمد عدم الإجابة على هذا المطلب، وتحدث عن عودة غير مشروطة للمفاوضات، كما أشار إلى تعهد هو الأول من نوعه في وثيقة إسرائيلية بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
ومع أنه كانت هناك موافقات إسرائيلية عديدة على مبدأ إقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين، وهو ما يعود إلى عدة سنوات مضت، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها نتانياهو – زعيم الليكود الأكثر تشددًا – هذا التعهد في وثيقة رسمية صادرة عن مكتبه.
وعلى أية حال فإن هذا التعهد هو مؤشر ينبغي الاهتمام الفلسطيني به، بغض النظر عن ما هو معروف من تلاعب وعدم التزام إسرائيلي. وإذا استطاع الفلسطينيون بناء موقف موحد يجمع فتح وحماس فإنه يمكن في هذه الحالة الاستفادة من ذلك كله