لم تجن سورية الدولة, وليس النظام, من النصائح الروسية, طوال العقود الماضية غير الخيبة, فمن نصيحة الرئيس السوفياتي- آنذاك- بودغورني في العام 1967 بعد احتلال اسرائيل للجولان بالصمود وتحويل سورية كلها الى قاعدة مقاومة حتى ينجز مشروع التحرير بسرعة, فيما الجولان لا يزال حتى اليوم تحت الاحتلال, الى نصيحة بريجنيف للرئيس حافظ الاسد في العام 1981 ب¯"سحق التمرد المتطرف في سورية حتى لا تمتد دولة الخلافة الاسلامية من كابول الى دمشق", فكانت الحصيلة- وقتذاك- 30 الف قتيل في حماة وحدها, وصولا اخيرا الى فلاديمير بوتين, واصداره رخص القتل المفتوحة في دمشق, عبر استخدام حكومته المتكرر حق النقض في مجلس الامن الدولي واحباط القرارات المتعلقة بالسعي الاممي الى وقف آلة الابادة الرامية لسحق الثورة الشعبية السورية المستمرة منذ نحو عام.

 
الموقف الروسي في مجلس الامن ليس غريبا, ولا هو جديد, فقبل سنوات قاتلت موسكو على كل الجبهات من اجل حماية سلوبودان ميلوسيفيتش ورادوفان كراديتش ومنع تقديمهما الى المحكمة الجنائية الدولية لمعاقبتهما على ما ارتكباه من مجازر مروعة وجرائم ضد الانسانية في يوغوسلافيا السابقة, الا ان العدالة الدولية اخذت مجراها وقدم كل من تورط في تلك الجرائم الى المحكمة في لاهاي.

 
رغم ذلك, لم يتعلم احد اشهر فلول جهاز"كي. جي. بي" السوفياتي فلاديمير بوتين من تجاربه السابقة ويوقف رهاناته على الاحصنة الخاسرة في السياسة الدولية, فهو يبدو انه يفتقد البوصلة السياسية الصحيحة, لاعتقاده ان العالم يدار بذهنية الاستخبارات السوفياتية السابقة, فعاود الكرة في ليبيا حين صمّت روسيا آذانها عن صراخات العزّل عندما كان
حليفها القذافي يُعمل سكينه في رقاب شعبه, وبقيت حتى اللحظة الاخيرة تراهن على ان القمع العلاج الوحيد لاخماد الثورة التي استطاعت ان تسقط حكم العقيد وتخلص بلاد عمر المختار من براثن جنون ملك ملوك افريقيا, فيما ذهب الرهان الروسي على الحصان الاسود ادراج الرياح, والان ها هي تكرر اللعبة ذاتها في سورية, بل اكثر من ذلك فهي تحمّل المعارضة ¯ الضحية- مسؤولية القتل والمجازر.

 
نتيجة الرهان الروسي على نظام البعث في سورية معروفة مسبقا, فاحفاد سيف الله المسلول خالد بن الوليد, الذي تقصف  مدينتهم وترتكب فيها المجازر, لن يعودوا الى السكينة والهدوء حتى ينالوا حريتهم لتعود سورية قلب العروبة النابض بحق.

 
نعم, لم تراهن روسيا يوما على حصان رابح, وهذه مسألة باتت من البديهيات, لكن المؤسف في كل ذلك ان تتحول الصين, هذه القوة العالمية الكبيرة اقتصاديا وديموغرافيا لمجرد تابع لدولة يخنقها حكم المافيات, فهل ضّيعت بكين ايضا بوصلة مصالحها في العالم ما جعلها لا ترى انهار الدم في سورية, ام ان الديكتاتوريات على اشكالها تقع?

المثير للأسى في كل ذلك تكبيل أيدي دول العالم عبر"فيتو" غير منظمة قواعد استخدامه في أعلى سلطة عالمية من المفترض ان تمارس دور حماية الشعوب, ليس من العدوان الخارجي, او وقف الحروب بين الدول, بل ايضا حمايتها من الانظمة الديكتاتورية التي لا ترى غير الدم وقودا لاستمرارها في الحكم, وهذا ما جعل العالم يفقد ثقته بالمنظمة الدولية, وجاء وصف خادم الحرمين الشريفين وضع الامم المتحدة في كلامه الاخير ليعبر بدقة عن لسان حال غالبية شعوب الارض حيال المنظمة الدولية التي اصبحت رهينة للمغامر الروسي بدم الشعوب, وخصوصا الشعب السوري الذي كما قال الملك عبدالله بن عبدالعزيز عنه" ان شاء الله انه من الصابرين ومعه سنصبر ونصبر حتى يفرجها الله, والله يمهل ولا يهمل".