في الوقت الذي تشهد فيه أكثر من دولة عربية ميلاً، بل وتصعيدًا للمواجهات وأعمال العنف والقتل على الصعيد الداخلي، في مشهد لا يمكن إلا أن يكون نوعًا من الانتحار الذاتي، أو على الأقل التدمير الذاتي بكل ما يعنيه ذلك من معنى، فإن أي تطور أو خطوة، أو توجه يوقف العنف، أو يحد من الخلافات بين الأشقاء، أو يفتح المجال لتقارب وتفاهم ينهي، أو على الأقل يوقف حالات التدهور المخيفة في هذه الدولة العربية أو تلك، هو بالقطع أمر مرحب به ويبعث على الأمل، وإمكانية الخروج من الأوضاع الصعبة التي تلف أكثر من دولة وأكثر من شعب عربي شقيق.

وفي هذا الإطار فإن الخطوات التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنية، في كل من العراق والسودان وجنوب السودان في الأيام الأخيرة، هي خطوات في الاتجاه الصحيح لأنها على الأقل تمهد لتجاوز خلافات قائمة، وتفتح المجال أمام فترة أفضل بين الأطراف المعنية في العراق، وكذلك بين دولتي السودان وجنوب السودان، وهو ما يوجد نقطة ضوء، وبصيص أمل في ظل ما يحدث على امتداد الساحة العربية.

ففي الوقت الذي يبذل فيه العراق الشقيق جهوده المتعددة، والمتواصلة أيضًا، من أجل الإعداد للقمة العربية القادمة المقرر عقدها في العاصمة العراقية بغداد في التاسع والعشرين من شهر مارس القادم، وهو ما سيكون إيذانًا بمرحلة جديدة في العلاقات العربية ـ العراقية، وخطوة كبيرة نحو استعادة العراق الشقيق لدوره العربي بشكل متزايد ومتدرج أيضًا، فإن اللقاء المرتقب الذي تم الاتفاق على عقده بين الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، ورئيس مجلس النواب العراقي كخطوة على طريق المؤتمر الوطني العراقي الذي دعا الرئيس العراقي إلى عقده وأيدته مختلف القوى العراقية، من شأنه أن يدفع نحو الإعداد لتحقيق مزيد من التوافق والالتقاء والتفاهم بين مختلف القوى العراقية، في إطار تفعيل اتفاقية أربيل وتعاون كل القوى العراقية لتحقيق مزيد من الاستقرار الذي يحتاجه العراق الآن وخلال الفترة القادمة، لكي يخرج من النفق الذي استمر فيه لسنوات طويلة، حيث آن الأوان لاستعادة العراق لإسهامه الإيجابي على الصعيدين العربي والإقليمي.

وعلى الصعيد السوداني، فإنه بالرغم من المخاوف، والمخاطر التي خيّمت على الأوضاع والتطورات بين السودان ودولة جنوب السودان على مدى الأسابيع الأخيرة، بسبب الخلافات بين الجانبين حول تصدير نفط جنوب السودان، وحول منطقة أبيي، وحول ما يحدث في دارفور ومناطق سودانية أخرى، وهو ما هدد باشتعال الحرب بين السودان وجنوب السودان، فإن التوصل إلى اتفاقية أمنية بين الطرفين في أديس أبابا لنزع فتيل الخلافات والتوترات بين الخرطوم وجوبا، هو أمر طيب وفي الاتجاه الصحيح، لأن من شأنه أن يقلل من حدة التوتر، وأن يمهد للتباحث بين الجانبين والعمل بجد للتوصل إلى تسويات وتوافقات تحفظ المصالح المتبادلة للطرفين، وعلى أرضية أنهما أقرب إلى التكامل فيما بينهما لأنهما في النهاية شعب واحد رغم الانقسام والانفصال الذي حدث.