حسنا فعل المجلس العسكري الأعلى باسترداده قرار مصر الذي خطفته طوال الاشهر الماضية الاعتصامات في الميادين, إذ بإعلانه العودة إلى قانون الطوارئ خطا خطوة مهمة نحو ارساء الاستقرار الذي طال انتظاره. فالحزم حتى وإن تأخر يجنب البلاد مزيداً من الغرق في مستنقع الفوضى.
الثورة قامت لإنقاذ الدولة من الفساد والفوضى, هذا ما أعلنته وتعلنه, وهو الشعار الذي على أساسه نظر الجميع بعين الرضى الى ما تحقق غير ان الانتهازيين دفعوها قسرا, خلال الاشهر الماضية, الى فساد اكثر سوءا مما كان سابقا, وراحوا يجاهرون بجرائم فظيعة كانت ترتكب بصلافة تحت شعار الثورة, وتمادوا بأفعالهم تلك إلى درجة الخيانة العظمى بتقويضهم علاقات بلادهم مع العالم و خرق الاتفاقيات الدولية, واخذ البلاد الى حالة من الفلتان.
كان على المجلس العسكري ان يلجأ الى هذا التدبير منذ البداية, و يمنح رجال الامن كامل الصلاحيات في الدفاع عن انفسهم وحماية الممتلكات العامة, لان المظاهر الفوضوية التي شاهدها الملايين خلال اليومين الاخيرين, سواء أكان أمام السفارة الاسرائيلية أم عند وزارة الداخلية وفي غيرها من الاحداث اثارت الكثير من القلق, ليس في اوساط المراقبين العرب والاجانب فحسب, بل عند ملايين المصريين.
الدول لا تحكم بالمجاملات هذا من البديهيات وهو للأسف ما ساد اخيرا في مصر حين كانت الحكومة تخاطب اولئك الانتهازيين والمندسين بلغة خجولة وكأنها تستجديهم, ما أوحى ان اكبر الدول العربية باتت ضحية للخوف من حفنة اغوتها لعبة اثارة الشغب وعدم ترك البلاد تتعافى, الأمر الذي أثر سلبا على صورة مصر في العالم لما لها من خصوصية وحساسية.
الحزم ضرورة لا تقبل الجدل, فأمن مصر الوطني فوق كل اعتبار, ولا يمكن تحويله لعبة في ايدي من يسعون إلى الفوضى في سبيل اهدافهم الحزبية او الخاصة البعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية العليا, لاسيما ان بيان وزير الداخلية المصاغ بلغة تهادن الخارجين على القانون وتخاطبهم بلطف كان أشبه بضوء أخضر لهم لارتكاب المزيد من الاثام في حق بلدهم, ما لم يبعث الاطمئنان في نفوس المصريين والعرب.
لهذا بات على المجلس العسكري بعد قراره الأخير العمل بكل قوة مع الحكومة على إخراج البلاد من شرنقة التظاهرات المليونية وغير المليونية, من دون خوف او اعتبار لأي ترهيب يمارس في الشارع, حتى تستعيد مصر استقرارها وامنها, وتلتفت الى قضاياها الداخلية.
الثورة حققت اهدافها. انتهى الامر, وجاء دور اعادة البلاد الى حياتها الطبيعية, وذلك لا يكون في العيش داخل قوقعة عقدة الخوف مما جرى قبل واثناء الثورة, لأن مصر ساعتئذ تصبح نهبا للقلاقل الأمنية وللمتربصين بها من كل حدب وصوب الذين يتحينون الفرص لافتراسها, لذا فإن العودة إلى قانون الطوارئ وتطبيقه بالكامل هي العلاج الناجع لوأد كل ما يحاك لهبة النيل, وهو ما يجب على الجميع إدراكه, لأن ما يجري هو ضد الثورة حتى لو كان يتم تحت يافطتها, بل هو ضد مصر كلها ارضا وشعبا.
أحمد الجارالله