أوروبا في أزمة لم تنته تفاعلاتها، أمّا ألمانيا فهي في عزّ نهضتها الاقتصادية. مفارقةٌ تثير اهتمام جميع الاقتصاديين وإعجابهم. فأين سرّ قوّة ألمانيا التي ما زالت تنافس الصين والدول الصاعدة في صادراتها؟ إنّ ألمانيا هي الدولة الأولى عالميّاً في مجال التصدير، قبل الصين والولايات المتحدة. وقد بلغت صادراتها في 2009 ضعف صادرات اليابان.
هناك تعبير ألمانيّ يمثّل رمز هذه القوّة منذ القدم، هو: حيٌُُّّمَُّّفَل (حرفيّاً «الطبقة الوسطى»). لقد كان يشير في الماضي إلى طبقة البورجوازيّة الحرّة في المدن، المتوسّطة بين الأرستقراطيّة الثريّة والفلاّحين الفقراء؛ وهو اليوم يشير إلى آلاف الشركات الصناعية المتوسّطة، العائليّة في أغلبها، الموزّعة في مدنٍ صغيرة في كافة أنحاء البلاد، وهي التي تصنع «الحلم الألماني».
حوالي 10 آلاف شركة متوسّطة، توظّف ما معدّله 250 عاملاً، بينها ألفا شركة بطلة تصدير؛ حيث تشكّل صادرات كلّ منها 80% من الإنتاج، ويساهم مجموع صادراتها بحوالي 40% من الصادرات الألمانية. وتتموضع هذه الشركات ضمن 3 ملايين شركة صغيرة ومتوسّطة في البلد، تشغّل ثلثي اليد العاملة، وتساهم في نصف الناتج المحلّي الإجمالي. هذا هو «النسيج الألماني»، الذي يعتمد على شركات كبرى، ولكن أيضاً وخاصّةً، على أوسع شبكة من الشركات الصغيرة والمتوسّطة عالميّاً.
ما هي استراتيجيّة هذه الشركات؟ إنّها تقوم على الابتكار المستمرّ (إذ تستثمر وسطيّاً 3 إلى 4% من رقم أعمالها مقابل 5% للشركات الكبيرة)، والتخصّص في أسواق ضيّقة محدّدة Niche Market، والتنمية الذاتيّة دون الخضوع لرأس المال المالي والاستثمار في شراء شركات في الخارج؛ وقادة الشركات هم مالكوها، الذين يقاتلون من أجل شركاتهم ويخطّطون للمدى البعيد (كما تفعل الحكومة الصينيّة بالمناسبة).
وتعتمد هذه الشركات على عناصر قّوة في سوقها الألمانية الرئيسة، أي السوق المحليّة المتطلّبة لناحية الجودة، وقوّة العمل المتعلّمة والماهرة، في ألمانيا القائمة على نظام تعليمٍ وتدريبٍ مهنيّ حكومي فاعل، وتفاخر السكّان بالعمل كقيمة اجتماعية. كما تترسّخ هذه العناصر في مناخ سياسي واقتصادي صلب: قوانين صارمة لمكافحة الاحتكارات، وسهولة في إنشاء الشركات، وتطبيق دقيق لمعايير الجودة.
هكذا، مهما كانت كلفة توحيد ألمانيا قاسية عليها، وكذلك عمليّة الاندماج في العملة الموحّدة، ومهما كانت كلفة العمل والمساهمات الاجتماعية عالية في هذا البلد، فقد أدّت أزمة 1993 إلى نهوض جديد، خاصّةً لهذه الشركات، بحيث تدفع نهضة الدول الصاعدة اليوم إلى تزايد الصادرات الألمانيّة.
هذا المثال الألماني، يجب أن يثير أيضاً الاهتمام في البلدان العربيّة. ليس فقط لأنّ بعض برامج المساعدات الدولية، وبعض برامج التحفيز، قد توجّهت فيها نحو هذه الشركات الصغيرة والمتوسّطة، بل خاصّةً لمراجعة السياسات التي تكبح تشكّل هذه الشركات كنسيج اقتصادي فاعل لهذه البلدان.
معظم الشركات العربيّة هي صغيرة ومتوسّطة وعائليّة. وفي حين يتمّ انتقاد هذا الأمر في الكثير من الأدبيّات الاقتصاديّة، يجب أوّلاً التساؤل؛ لماذا لا تتوجّه سوى ندرة من هذه الشركات نحو الإنتاج الصناعي والابتكار والتصدير؟ وكم هي حصّة هذه الشركات في الصادرات العربيّة؟
القانون الألماني يحمي الشركات الصغيرة والمتوسّطة، في مجال تسجيل الابتكارات ومقاومة الاحتكارات الكبرى. فكم تحمي القوانين العربيّة شركاتها بشكلٍ مماثل وتكافح الاحتكار؟ والحكومة الألمانية تسهّل على هذه الشركات الإجراءات الإداريّة، ولا تكّلفها ضريبيّاً أكثر من مساهمتها العادلة. في المقابل، ألا تتكّلف الشركات الصغيرة والمتوسّطة في البلاد العربيّة أعباءً إداريّة وضرائب أكثر نسبيّاً من مثيلاتها الكبرى التي تسيطر على الاقتصاد السياسي؟ وما بالك بالتعليم الحكومي العام والمهني الذي تخلّى عنه معظم الدول العربيّة، لصالح تعليم خاص غالي الثمن وغالباً غير فعّال (إذ تهاجر نسبة كبيرة من متخرّجيه)، تاركةً التعليم الحكوميّ للازدحام الكمّي والتدنّي المعرفيّ والمهنيّ؟
قلّما تدخل شركات الـ حيٌُُّّمَُّّفَل في أسواق الأسهم، فهي تريد المحافظة على سيطرتها على أعمالها بعيداً عن المضاربات، في حين يتمّ دفع الشركات العربيّة المماثلة نحو هذه الأسواق، عبر آليات التمويل المختلفة، من صناديق الاستثمار إلى المؤسّسات الحاضنة إلى المصارف، وكأننّا في الولايات المتّحدة قبل انفجار فقاعة الانترنيت.
يستحقّ نموذج الـ حيٌُُّّمَُّّفَلالألماني وقفة تمحّص عند الحكومات العربيّة، بعيداً عن المهرجانات الإعلاميّة للاحتفاء ببعض الشركات الصغيرة والمتوسّطة. فالأمر يتعلّق بخيار لنموذج اقتصادي، أساسه دولة القانون التي تقوم على الارتقاء بالتعليم والتدريب المهنيّ، وخاصّةً على جعل العمل قيمة اجتماعيّة حقيقيّة.