انشغلت الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية اللبنانية، طوال الأيام المنصرمة، بحديثين أساسيين سيخلفان آثاراً جلية على مجمل التطورات السياسية وغير السياسية في البلاد؛ أولهما زيارة الرئيس سعد الحريري إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومجمل النتائج التي ترتبت عليها.

وثانيها نضوج التسوية التي ترعاها المملكة العربية السعودية وسوريا، واقتراب الإعلان الرسمي عن خروج لبنان من عنق الزجاجة الذي حاصره طويلاً. في ملف زيارة الحريري إلى إيران، تقاطعت معلومات جهاز الحريري والمعلومات المسربة من طهران إلى حلفائها اللبنانيين، على التالي:

1 ـ منذ شهور تتوالى دعوات إيران إلى الرئيس الحريري، بإلحاح كبير، غير ان افتراقا كان قائما حول الموعد، بين رغبة الحريري في أن تتم الزيارة بعد صدور القرار الظني حول اغتيال الشهيد رفيق الحريري (أي في موعد قريب من رأس السنة)، ورغبة إيران في التعجيل بالزيارة وإجرائها قبل صدور القرار الظني، وهو ما تم فعلاً في نهاية الأمر.

2 ـ حرص الرئيس الحريري على أن يصطحب معه وفدا «سياسياً» يمثل جميع التيارات السياسية في لبنان، بغض النظر عن الحقائب التي يتولاها الوزراء المرافقون له.

3 ـ كان احتفاء إيران بالضيف اللبناني مميزاً جداً، بحيث عومل معاملة رؤساء الجمهورية، مما تجاوز البروتوكول ودخل في إطار التكريم الشخصي. نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي دخل معه في قلب التفاصيل اللبنانية، والرئيس نجاد قام مع الرئيس الحريري بجولة تاريخية عن علاقة إيران بالجوار العربي، والمرشد الأعلى للجمهورية السيد علي خامنئي تناول معه جميع الملفات السياسية، خصوصا ما يتصل منها بالمقاومة في لبنان.

4 ـ لم تكن هذه الزيارة لتتم لولا الموافقة السعودية المسبقة، مما يعكس التحسن الكبير في العلاقات السعودية الإيرانية.

أما النقاط التي أثارها الجانب الإيراني، فيوجزها المقربون من الرئيس الحريري بالتالي:

1 ـ إن إيران تدرك الخصوصية المميزة للوضع اللبناني والتركيبة الاجتماعية اللبنانية التي تميزه، وتدرك أن ثمة محاولات إسرائيلية لاستفراده وضرب المقاومة فيه.

2 ـ إن إيران كانت صديقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهي حريصة على كشف حقيقة من اغتاله.

3 ـ ان إيران ترفض بشدة اتهام حزب الله بالضلوع بأي شكل في عملية اغتيال الحريري، وتعتبر المحكمة الدولية مسيسة وأداة فتنة داخلية.

4 ـ ان إيران تعتبر المقاومة في لبنان «خطا أحمر» تدافع عنه بجميع الوسائل.

5 ـ ان إيران لا تخشى من أي توتر في العلاقة السنية ـ الشيعية، أو أي إشكال امني بين الطرفين.

6 ـ ان وجود المقاومة في لبنان ليس مرتبطا بالاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا أو تلال كفرشوبا أو قرية الغجر، بل بمطامع إسرائيل التوسعية بذاتها ورغبتها في ضرب اية مواجهة تخرج من صفوفه.

7 ـ ان إيران تضع قدرتها في تصرف الدولة اللبنانية، وهي جاهزة لتوفير الحاجات العسكرية للجيش اللبناني فور إبلاغها طبيعة هذه الاحتياجات.

8 ـ ان إيران تشجع على عقد لقاء قريب بين السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري.

9 ـ ان إيران تراهن على أن يكون الحريري في صف المدافعين عن المقاومة والرافضين أي استهداف لها، سواء من جانب إسرائيل أو من جانب القرار الظني.

أما ما أعلنه الرئيس الحريري في لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين، فيتمحور حول ثوابت لبنان في الحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الحكومة، وحول ثالوث المقاومة والشعب والدولة كعناصر أساسية في حماية التراب الوطني.

وشدد الحريري على ضرورة تسليح الجيش اللبناني وعدم شل مؤسسة مجلس الوزراء أو إضعافها، وتوفير الدعم العربي والإقليمي للجهود السعودية ـ السورية لإيجاد حل لمسألة «شهود الزور» وتداعيات القرار الظني المرتقب صدوره بين يوم وآخر.

أما في شأن التسوية المعهودة من التفاهم السعودي ـ السوري، فرغم أن المعلومات حولها ما زالت شحيحة وقابلة للتبدل، إلا أن المتوافق عليه حتى الآن يقوم على:

ـ تعهد قوى 14 آذار بالدفاع عن المقاومة والامتناع عن طعنها أو الالتفاف عليها، سواء قبل صدور القرار الظني أو بعده. ـ مقابل هذا التعهد، تتعهد قوى 8 آذار بالامتناع عن أي لجوء إلى السلاح، أو تعطيل مجلس الوزراء، أو اعاقة عمل هيئة الحوار الوطني، والامتناع عن اللجوء إلى الاغتيال السياسي أياً تكن الظروف.

ـ في حال اتهام عناصر من حزب الله بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، تمتنع قوى 14 آذار عن اي اتهام للحزب أو المقاومة ككل، وتلتزم بعدم التعرض لمسألة سلاح المقاومة طالما ان الامر معروض على هيئة الحوار الوطني.

ـ تتم إعادة النظر في صلاحيات رئيس الجمهورية التي نص عليها اتفاق الطائف، لجهة توضيحها وتعزيزها ليتمكن الرئيس من لعب دور الحكم «وبيضة القبان» في المعادلة السياسية العامة. ـ يتم درس تفاصيل مشروع انشاء مجلس الشيوخ الذي نص عليه اتفاق الطائف تمهيدا لتطبيقه.

ـ يتم عقد اجتماع عاجل بين السيد حسن نصر الله ورئيس الحكومة سعد الحريري لحسم مسألة شهود الزور. ـ رفض اي اتهام في القرار الظني يكون مبنياً على إفادات شهود الزور أو المكالمات الهاتفية، باعتبار ان داتا الاتصالات مخروقة إسرائيلياً بشكل جلي.

تلك عناوين بات يتداولها الوسط السياسي اللبناني، في انتظار بلورتها والخروج بها اتفاقا علنيا سوريا ـ سعوديا، بعد تماثل الملك السعودي للشفاء وعودة الرئيس السوري بشار الأسد من جولته الخارجية.

فهل تصدق التوقعات ويخرج لبنان سليماً معافى، أم أن التفاصيل ستعود لتفسد كل شيء ويأتي القرار الظني صاعقة تجتاح البلاد والعباد؟

كاتب لبناني

adm.admco@googlemail.com