كما توقعه الأردنيون جميعاً، جاء خطاب العرش السامي الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني يوم امس الدورة العادية الاولى لمجلس الأمة السادس عشر، جامعاً وشاملاً وصريحاً، سمّى الاشياء بأسمائها مشدداً ومؤكداً على الالتزام العميق بالاستحقاق الدستوري لمسيرتنا الديمقراطية وحرص جلالته غير القابل للنقاش على المشاركة الشعبية في صناعة القرار وبناء المستقبل الذي يليق بطموحات الأردنيين والأردنيات وتضحياتهم الكبيرة..
نحن اذاً أمام جملة من الرسائل والاشارات المهمة والحيوية اراد قائد الوطن ارسالها الى كل من يعنيهم الأمر في هذا الوطن اياً كانت مواقعهم يجدر بالجميع في هذا الوطن ان يدركوا معانيها والمرامي التي انطوت عليها وان يعملوا على هديها..
اولاها التأكيد على ان العمل الذي تم طوال السنوات الماضية وفق رؤية اصلاحية تحديثية واضحة لمعالجة السلبيات وتحقيق التنمية الشاملة، متواصل وبعزيمة لا تلين، لكن طبيعة الأمور وأصول العمل تقتضي القيام بمراجعة وتقييم لكل ما تم لتحقيق هدفين تعظيم الانجاز ومعالجة مظاهر الخطأ او التقصير..
في اطار الرؤية الملكية هذه يجب على الجميع ادراك ان التقدم في مسيرة الاصلاح ومن اجل التقييم، ليست مسؤولية سلطة معينة دون اخرى بل هي مسؤولية جماعية بما يعنيه ذلك من ضرورة وجود تعاون مؤسسي يرتكز بالاساس على الدستور واحترام مركزية دور جميع السلطات.
الرسالة الثانية التي انطوى عليها خطاب العرش كانت ساطعة ومفعمة بالدلالات حيث لا بد من الاستفادة من دروس الماضي وتجاوز اخطائه والاعتراف بان علاقة السلطتين التنفيذية والتشريعية قد شابها الكثير من الاخطاء التي اعاقت مسيرتنا الاصلاحية والحقت الضرر بمصالح شعبنا..
في وضوح قال قائد الوطن يجب على الجميع العمل لازالة هذه الاخطاء وهو أمر نحسبه بمثابة اشارة الى البدء بعمل فوري لكل من السلطتين كي تُزال هذه الاخطاء عبر التوافق بين السلطتين على آلية عمل ملزمة توضح الاسس التي تحكم تعامل الحكومة مع اعضاء مجلس النواب وفق الدستور والقانون وبما يضمن علاقة شراكة مبنية على المعايير التي تحقق المصلحة العامة..
ولعل الصراحة والوضوح التي تضمنتها عبارة جلالته حول عدم قبوله تراجع دور مجلس النواب او اهتزاز صورته عند المواطنين تزيد من الثقة بأن جلالته يتعامل مع هذه القضايا في شكل مباشر وبما يعبر عن ضمائر الاردنيين ونبض الشارع في الاصرار على احداث تغيير حقيقي ونوعي في اداء السلطتين التنفيذية والتشريعية على نحو يخدم المصالح الوطنية العليا ويمنح القوة لمجلس النواب بامتلاكه القدرة والرغبة على ممارسة دوره في الرقابة والتشريع في اطار عمل دستوري مؤسسي.
وإذ اضاء جلالة الملك على توجيهاته السامية للحكومة للعمل وفق منهجية مؤسسية تضع اهدافاً واضحة وتحدد مواعيد لانجازها، في ثقة بالنفس وشفافية دون تردد او خوف من اتخاذ القرار او سياسات الاسترضاء المرفوضة فإن تأكيد جلالته على ضرورة مواكبة الاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي بما يضمن زيادة المشاركة الشعبية في صناعة القرار.
يزيد من القناعة بأننا نسير في الاتجاه الصحيح وان الطريق واضحة تقتضي العمل على اكثر من ملف وفي اكثر من اتجاه سواء عبر تشجيع العمل الحزبي الوطني الملتزم بالقوانين والدستور وازالة العواقب أمام تطوير دور الاحزاب أم في تطوير علاقة الحكومة بالاعلام على قاعدة احترام حق الاعلام في العمل بحرية واستقلالية وفي الحصول على المعلومة ونشرها وهو ما يؤكد اصرار قائد الوطن على المضي قدماً في دعم وتشجيع وضمان حرية الاعلام الاردني والاستمرار في تطوير صناعة اعلام مهنية مستقلة تحمي المواطنين وحقوقهم من ممارسات اعلامية غير مهنية تزور الحقائق وتشوه صورة الوطن وهذا لا يتم بالطبع إلاّ عبر ادخال تعديلات لازمة على التشريعات القائمة..
جملة القول ان خطاب العرش السامي حدد ملامح المرحلة المقبلة والتي نحسب ان حكومة الرئيس سمير الرفاعي ستعمل على هدي من المحطات والرسائل التي انطوى عليها والتي تشكل صمام أمان وضمان لتحقيق برامج التنمية في كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياحية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبخاصة ان الانسان الأردني هو ثروة الوطن الاولى وهو غاية التنمية ما يستدعي وبالضرورة تحقيق العدالة والمساواة الاقتصادية والاجتماعية وتكافؤ الفرص.