كل منا يعيش حالة حلم، وهذا من أجمل ما في الحياة، فالحلم يمدنا بطاقة تساعدنا على الاستمرار في الحياة، ويذكي رغبتنا في البحث الدائم عن الأجمل والأفضل، والإصرار على حقنا الطبيعي في أن نكون كما نريد و»نحلم» أن نكون.
من الجميل أن نحلم، لكن الأجمل أن تتراوح حياتنا بين عالمين مختلفين: عالم الأحلام وعالم الواقع، أو اليقظة، حتى نشعر بلذة كل منهما. أما أن نكون أسرى أحلامنا، أو شديدي التمسك بواقعنا، فهذا سيفقدنا متعة الاثنين معًا، لأن «الضد يظهر حسنه الضد»، كما قال الشاعر قديما.
لا يمكننا أن نقسم الحياة قسمين: قسم للواقع وقسم للحلم، لكن الذي نعتقده هو أن لكل واحد منا في حياته نصيبا من الاثنين، قلّ أو كثر.
ومن الطبيعي أن نحيا الحياة بناء على الواقع المتاح أمامنا، حتى لو كان أشبه بغرفة مظلمة سوداء الجدران، وأن نترك ـ في الوقت نفسه ـ كوة في الجدار ينفذ منها الضوء بين حين وآخر، مع تبدل الوقت حين يعسعس الليل ويتنفس النهار.
فهذه الكوة وما ينفذ منها خلال النهار، هي التي ستمنحنا القوة التي ستعيننا على تحمل الظلام الدامس، الذي سيلفنا سريعًا بمجرد أن يقبل الليل.
ومن السهل أن يقول أي منا إن غرفته لا توجد فيها كوة أو منفذ صغير لدخول الضوء، وبالتالي فإن مساحة الحلم غير موجودة في حياته، فيستسلم لهذا الوضع، بدلا من أن يصنع بيديه هذه الكوة، ويسمح لنفسه بأن «يحلم»، وأن تكون لديه أحلام يسعى لتحقيقها يومًا بعد يوم.
هذا هو حال بعض الناس الذين لا يعيشون حقهم الطبيعي في الحلم، ويعتبرون أن حياتهم تفرض عليهم أن يعيشوا واقعها كما هو مرسوم لهم، ولا يجتهدون في أن يغيروا هذا الواقع، لأنهم لا يملكون الإرادة الكافية لصنع كوة صغيرة في جدران حياتهم المظلمة.
وفي المقابل، هناك نمط آخر من الناس حياته كلها عبارة عن حلم طويل، ومثل هذا النوع من الحياة لا طعم له ولا رائحة ولا لون، لأن الشخص يبقى أسير أحلامه، متعلقا بأهدابها، يفكر طوال الوقت في تفاصيلها، أما الواقع الفعلي الذي يحيط به وهو جزء منه، فإنه أبعد ما يكون عنه.
إنه يعيش حلما ـ يمكن أن نقول إنه حلم يقظة طويل وممتد ـ لكنه لا يستيقظ منه، بل «ينتهي» منه وينفصل عنه انفصالا تاما حين ينام نومته الأبدية.
لا شك أن الناس ليسوا فقط هذين النوعين، بل هؤلاء يمثلون الطرفين ـ أو هذا ما يبدو لي ـ أما البقية فيتوزعون في مواضع مختلفة بين الطرفين، وهذا يعني أنهم طبيعيون.
ينتقلون بين الحلم واليقظة بما يتناسب مع الظروف الخاصة بكل منهم. التطرف دائما هو ما يلفت النظر في أي أمر كان.. حتى لو كان التطرف في الحلم، فمن غير المعقول أن تكون الحياة واقعا فقط أو حلما فقط.
ولنتوقف قليلا عند هؤلاء الذين يحلمون، وهم كثر: ما طبيعة أحلامهم؟ ما الذي يجعلها أحلاما وليست واقعا؟ ما الحد الفاصل بين الحلم والواقع؟ ومتى تنتقل الأحلام من حيز «الحلم» وتصبح جزءا من الواقع؟
استوقفتني عبارة في رواية «الشيطان والآنسة بريم» لباولو كويلو، جاءت معبرة عن حال إحدى الشخصيات الرئيسية، حين يقول الراوي عنها، بعد أن أمسكت بسبيكة ذهب من الممكن أن تغير حياتها تغييرا جذريا، وتسمح لها بتحقيق أحلامها إن هي أخذتها وهربت بها خارج قريتها.
ولكنها مع ذلك كانت تصارع أمرا آخر في نفسها، «وأدركت للتوّ أن هناك أمرين يحولان دون تحقق أحلام المرء: أن يعتقد بأنها على نحو مباغت، تستحيل في لحظة لا يتوقعها، أحلاما ممكنة.
والحق أنه ـ في مثل هذه الحال ـ ينبثق الخوف من أن نسلك دربا لا نعرف إلى أين يفضي، في حياة منسوجة من تحديات مجهولة، واحتمال أن تختفي الأشياء التي ألِفناها إلى الأبد».
ويستمر الراوي مؤكدا بعد ذلك فكرته بقوله: «إن البشر يريدون تغيير كل شيء، ويتمنّون، في الوقت عينه أن يبقى كل شيء على منواله». ولعل هذا هو حال معظم الذين يحلمون، ويبقى كثير من أحلامهم..أحلاما.
فهم لا يستطيعون أن يقدموا على خطوة الانتقال من حالة الحلم إلى حالة الواقع.فمن السهل أن نحلم، لكن من الصعب جدا أن نسمح لهذه الأحلام أن تصبح واقعا.. واقعنا.. إن عاد الخيار لنا.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com a