يناقش القادة العرب قي قمتهم الاستثنائية في مدينة سرت الليبية قضيتين في منتهى الأهمية أصبحتا جزءا اساسيا من منظومة العلاقات العربية والدولية وهما "تطوير منظومة العمل العربي المشترك" وكذلك "أسس سياسة الجوار العربي ومقترح اقامة رابطة الجوار الاقليمية وآليات عملها".
في هذا العصر الذي بات يتميز بالنزوع نحو تعددية الأقطاب الاقتصادية والسياسية وظهور القوى الناشئة بقوة في آسيا وأميركا اللاتينية والتي تنضم بقوة الى الولايات المتحدة وأوروبا في مسرح السياسة العالمية بات "الوزن الثقيل" فقط هو الذي يمنح القيمة السياسية والاقتصادية للدول وهذا ما يجعل العالم العربي بحاجة ماسة الى تطوير أدوات العمل المشترك ضمن الجامعة العربية وتعزيز مبادئ وأدوات العمل السياسي مع دول الجوار حتى يحصل النظام العربي على دور ذي قيمة في منظومة السياسة العالمية.
العمل السياسي والاقتصادي المشترك لا يحدث بالتمنيات والنوايا الحسنة بل بتطوير منظومة من السياسات والاجراءات وأحيانا التشريعات المشتركة التي تحدد كيفية تنسيق الجهود العربية في عدة قطاعات سياسية واقتصادية واحداث التكامل بينها والوصول الى طرق ملائمة لحل الخلافات قبل استفحالها وعدم تعريض العلاقات العربية الى شحنات وموجات من التحريض السياسي والاعلامي والعمل على حل مسائل الخلاف داخليا ، وبالتالي تقوية الموقف العربي أمام الكتل السياسية والاقليمية المختلفة في العالم.
المسألة الثانية هي تحديد مبادئ وتوجهات السياسة العربية مع الدول الاقليمية والتي بات يزداد تأثيرها على مجمل صناعة القرار والأوضاع الداخلية في كثير من الدول العربية حيث تحتاج الجامعة العربية الى مجموعة من المبادئ التوجيهية المتفق عليها في تنظيم العلاقة مع هذه الدول ومنها ايران وتركيا واثيوبيا وأرتيريا وتشاد والتي تعتبر حاضرة وبقوة في القضايا العربية ذات الأولوية سياسيا تنمويا واقتصاديا.
وبالرغم من أن القمة مخصصة لمناقشة آليات العمل العربي المشترك ، فان القضايا السياسية المستجدة والرئيسية سوف تكون حاضرة وبقوة على طاولة النقاش وأهمها الوضع الحالي في فلسطين وخيارات المفاوض الفلسطيني ما بين المضي قدما في مسار التفاوض وما بين العراقيل التي تضعها اسرائيل لتصفية الحقوق الفلسطينية وأخطرها الاستيطان والتهويد.
تدرك الأنظمة والشعوب العربية أن الوقت قد حان منذ فترة لاصلاح العمل العربي المشترك والارتقاء بأداء الجامعة العربية الى مستويات عالية من الكفاءة والفعالية والتي من شأنها أن تجعل للدول العربية حضورا ذا وزن في المنظومة الدبلوماسية والاستراتيجية الدولية لأنه وبدون مثل هذا الحضور المشترك ستجد الدول العربية نفسها معزولة ومهمشة في سياق العديد من مسارات التطور السياسي والاقتصادي.
الأفكار المطروحة من قبل الجامعة العربية مثل تحويلها الى "اتحاد للدول العربية" تبقى مرهونة بالقدرة على التنفيذ ووجود المسؤولية والالتزام الجماعي من الدول العربية بتقوية هذا التحول وليس فقط انشاء اطار بيروقراطي جديد لا يساهم في تطوير آليات وكفاءة العمل والتي هي العنصر الأساسي في الاصلاح.
وفي النهاية ، فان الشعوب العربية تتطلع دائما الى تعزيز مكانة العالم العربي في المنظومة الاستراتيجية الدولية لحماية الحقوق العربية والمصالح المشتركة والأمل كبير في أن يتمكن القادة العرب من تحقيق نقلة نوعية مؤثرة في قمة سرت من خلال الاتفاق على أسس ومبادئ عملية وفعالة للاصلاح في منظومة العمل العربي المشترك والعلاقات مع دول الجوار المهمة.