تتحفنا محطّات التلفزة العربيّة مع كلّ نشرة أخبار، بمعطيات مشهديّة عن تطوّرات أسواق الأسهم العربيّة، تنمّقها تحليلات ل«خبراء» ماليين يستخدمون مصطلحات غريبة: فهبوط أسعار الأسهم هو دوماً نتيجة عمليّة «جني أرباح»!
فمن يجني الأرباح؟ وما الذي يستفيده المواطن العربي من هذا كلّه؟ خاصّةً وأنّ الفترة الإخباريّة المخصّصة لهذه «الأنباء»، تتخطّى تلك التي عن تحليلات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أو عن تقدّم المشاريع.
في البلدان المتقدّمة، بدأ الحيّز المخصّص للإعلام عن البورصات يتقلّص، إلاّ في المحطّات المخصّصة لذلك. ربّما لأنّ الناس سئموا سماع الأخبار السيّئة، بل بدؤوا يتساءلون حقيقةً عن نفع الاستثمار في البورصات على الصعيد الشعبي.
ففي فرنسا مثلاً كان مؤشّر الء04 قد وصل إلى حوالى ال7000 نقطة في سبتمبر 2000، قبل أن يشهد انفجار فقاعة الانترنت والتقانات الحديثة، ثمّ جاء الانهيار الناتج عن أحداث سبتمبر 2001 الذي أدّى بنفس المؤشر إلى حدود ال2400 نقطة.
ثمّ عاد هذا للصعود تدريجيّاً، حتّى ال6200 نقطة (يونيو 2007)، قبل أن نعرف أنّ هذا الصعود كان خدعةً ماليّة ونتيجة سياسات مخاطرة، فتنفجر فقاعة الرهون العقاريّة الأميركيّة، ثمّ يفلس مصرف ليمان براذرز وتوشك مصارف الدول المتقدّمة جميعها على الانهيار، لولا الدعم الضخم من الميزانيّات الحكوميّة ومن المصارف المركزيّة.
فيعود المؤشّر إلى ال2500 نقطة في مارس 2009. ثمّ ها هو يصعد مجدّداً لكن دون ثقةٍ كبيرة (حوالي 3600 نقطة الآن)، مع تواصل التحذيرات عن انهيارٍ جديد متوقّع نتيجة «فقاعة» السندات الحكومية، وتداعي النموّ نتيجة الأزمة وسياسات التقشّف الحكوميّة التي تفاقمها.
هكذا يبرز التساؤل واضحاً اليوم، في فرنسا كما في بقيّة الدول المتقدّمة حيث سارت الأمور بشكلٍ مشابه، حول جدوى الاستثمار في الأسهم. فمن الذي يربح حقّاً في هذه «الأسواق»؟ إنّها الصناديق المضاربة التي تستطيع متابعة التذبذبات لحظة بلحظة والمراهنة عليها، أو على «المشتقّات المالية» التي أدان تصرّفاتها حتّى قادة الدول الغربيّة الأكثر «نيوليبراليّةً».
أمّا المواطنون العاديّون، والذين قيل لهم إنّ الاستثمار في الأسهم هو أفضل طريقة للادّخار، وإنّهم يجب أن يروا الأمور على المدى البعيد (عشر سنوات مثلاً)، فقد خسروا.. ولهذه الخسارة وقعٌ كبير، خاصّة أنّه قيل لهم إنّ هذا الادّخار هو ما سيحمي شيخوختهم، وليست السياسات الضريبيّة وتوزيع الدخل بين فئات السكّان والأجيال!
فما إحساس المواطن العربيّ تجاه الاستثمار في الأسهم الذي يتمّ تقديمه لهم بنفس الطريقة، علماً بأن السياسات التوزيعيّة للدخل إمّا غير موجودة وإما أضعف من أن تحمي شيئاً؟
الأسواق المالية العربيّة «ناشئة»، فهي لم تشهد تفعيلاً حقيقيّاً إلاّ منذ بداية هذه الألفيّة، والاقتصادات التي ترتكز عليها أيضاً «ناشئة» بأحسن التعابير. في البدء، شهدت «البورصات» العربيّة تطوّراً ملحوظاً على عكس نظيراتها «المتقدّمة»، بالضبط لأنّ مفاعيل أحداث 11 سبتمبر دفعت بالأموال العربيّة للعودة والبقاء في موطنها.
هكذا قفز المؤشّر المركّب للأسواق العربية (الذي يضعه صندوق النقد العربي) أكثر من أربعة أضعاف حتّى يناير 2006 (ليصل إلى 437 نقطة)، ثمّ انهار وحده في هذه السنة ذاتها، بفعل انفجار «الفقاعة» الخاصّة بها (240 نقطة في نوفمبر 2006).
ثمّ عاد للصعود لينهار مجدّداً مع الأزمة العالميّة وأزمة دبي، فاقداً تقريباً كلّ ما اكتسبه منذ البداية (144 نقطة في فبراير 2009). وها هو يصعد من جديد، ولكن متأرجحاً ومتخوّفاً من فقاعةٍ جديدة.
فمن الذي يربح في البورصات العربيّة؟ المصارف و«الصناديق المضاربة» أم المواطنون المساهمون؟ فقط حوالي 1600 شركة مدرجة في الأسواق العربيّة، قيمتها السوقيّة اليوم نصف تلك التي كانت منذ ثلاث سنوات. نصفها تقريباً مصارف وشركات ماليّة، وربعها اتصالات، و8% شركات عقاريّة، وكلّ الباقي من صناعات وخدمات، بما فيها النفطيّة، لأقلّ من 22%.
فكيف يحكم المواطن «المستثمر» على التطوّرات الاقتصاديّة لهذه الشركات على المدى البعيد، دون أن تساوره الشكوك حول المضاربات والتأثّر بمخاطر الأسواق العالميّة والعربيّة على السواء؟
في زمنٍ آخر، في أوروبا وغيرها، كانت الدولة تجمّع أموال المدّخرين الصغار طويلة الأمد، عبر «شهادات استثمار» مضمونة العائد، تضعها في مصارف استثماريّة حكوميّة مهمّتها المساهمة في مشاريع بنى تحتيّة وصناعات لا تأتي عائداتها إلاّ على المدى الطويل. ولكن معظم الدول تخلّت عن هذا السبيل لجمع الادخّارات، في حين اضطّرت لضمان الودائع الصغيرة في المصارف.
فهل البورصات هي أفضل وسيلة للادخار في البلاد العربيّة؟ وهل يستحقّ حجم الادّخارات العربيّة لقليلي الدخل (المقيمين منهم أو المهاجرين) إيجاد أطرٍ لحمايتها من ناحية، ولاستخدامها من ناحية أخرى في استثمارات تحسّن من مستوى المعيشة والتقدّم، ولو على المدى الطويل؟!
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب