دروس الأزمة المالية الاقتصادية العالمية كثيرة. من هذه الدروس، أننا لم نكن فقط نأخذ بكثير مما كان يُدخل إلى أذهاننا من منظري ما قبل الأزمة على أنه مسلّمات.

بل وأننا لا نزال كذلك في ما يتعلق بما يسوِّقه الآن أيديولوجيو النظام الاقتصادي العالمي الذي استنفد مبررات وجوده، وآن أوان تغييره. وسنتناول هنا أمرين، ربما لا يشتركان إلا في كونهما من دروس الأزمة. الأول دور وكالات التصنيف، والثاني واقع التجارة العالمية.

وارن بافيت أحد أقطاب رجال المال الأميركيين الذي لا يضاهيه إلا جورج سوروس، الأميركي هو الآخر. ولا يخفى على كثير من المراقبين الاقتصاديين، أن بافيت كان من أشد منتقدي السياسة الاقتصادية للنيوكونز (المحافظين الجدد)، وكان يحذر من أنها قد تقود إلى انهيار اقتصادي للدولار ولأسواق المال والأسهم. لكن ما تبين فيما بعد، أن بافيت واحد ممن وقفوا وراء انفجار الأزمة.

فالشركة القابضة Berckshire Hathaway التي يمتلكها، أصبحت مساهما في پMoody منذ العام 2000. وفي جلسة اللجنة الحكومية المختصة بدراسة أسباب الأزمة المالية، تحدث بافيت مدافعا بشراسة عن وكالة Moodyصs التي منحت تصنيفات مبالغ فيها لكثير من المؤسسات، وقال إنها لم تكن سوى واحدة من المؤسسات التي لم تحسن توقع انهيار سوق السكن.

كما قال إن هذه الوكالات ارتكبت الخطأ الذي ارتكبه الجميع عمليا، بسبب المبالغات في سوق السكن، وأن هذه «كانت أكبر فقاعة شهدتها في حياتي»، على حد قوله.

وعندما ارتفعت أسهم پMoody إلى أعلى مستوياتها، كانت حصة بافيت قد بلغت 5 .3 مليار دولار. وبين عامي 20002006، منحت پMoody تصنيف AAA ل42625 مؤسسة تداول عقارية، لدرجة أنه أطلق عليها فيما بعد نعت «مصنع تصنيف AAA.

وقد نقلت وكالة بلومبرغ عام 2006 عن بافيت قوله: «لو كنت أعلم بأن الفقاعة في سوق الممتلكات غير المنقولة ستكون بهذا الحجم، لكنت على الأرجح قد بعت أسهمي». والحديث يدور هنا عن انحدار قيمة سهم پMoody من 60 دولارا في السابق، إلى 20 دولارا في يونيو المنصرم.

لم ينطل هذا التمويه على الأوروبيين الذين وعوا الدرس بعد الأزمة. وبسخط، تساءل رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو، عما إذا كان من الطبيعي أن يعالج هذه المسائل الحساسة التي يتعاظم فيها احتمال تضارب المصالح، ثلاثة لاعبين كبار فقط؟

وهل من الطبيعي أن يكون هؤلاء اللاعبون من بلد واحد فقط؟ ودعا المفوض الأوروبي لشؤون الأسواق الداخلية، ميشيل بارنيه، إلى إنشاء جهاز لممارسة الرقابة على وكالات التصنيف، قائلا: «إن إحداث تغييرات في نظم عمل وكالات التصنيف، سيعني رقابة أفضل وشفافية أكبر في هذا القطاع المهم.

لكن هذه هي الخطوة الأولى، إننا نراقب هذا السوق بعين فاحصة». بقي أن نراقب هنا كيف تمت الاستفادة من هذا الدرس، سواء في التعامل مع وكالات التصنيف القائمة أو في ما يتعلق بإنشاء وكالات بديلة.

الدرس الثاني يتعلق بحالة التجارة الخارجية. المعطيات التي نشرتها منظمة التجارة العالمية منذ فترة قريبة، تشير إلى أن حجم التجارة العالمية قد نما في الربع الأول من عام 2010 بنسبة 25% (بالحساب السنوي): الصادرات بنسبة 2 .27%، الواردات 2 .24%، بينما كانت التجارة العالمية قد سجلت هبوطها الأكبر، الذي بلغ الثلث خلال شهري إبريل ـ مايو 2009. وخلال ذلك العام انخفضت التجارة العالمية بنسبة 12%، حيث كانت أسوأ حالة سجلت منذ زمن الكساد العظيم.

قد يريدوننا أن نتفاءل بأن الاقتصاد العالمي آخذ في التعافي. حسنا، لنعد قراءة معطيات منظمة التجارة العالمية ذاتها. إنها تقول بأن استعادة التجارة العالمية لوضعها، إنما تجري على حساب ارتفاع الأسعار. وبالمقارنة بين يناير ومارس 2009، نجد أن أسعار النفط ارتفعت مرتين تقريبا، الطاقة والمعادن بمرة ونصف، أما الغذاء فبنسبة 10%.

الواضح هنا أن الذي ارتفع هو قيمة الصادرات، أكثر مما هو الحجم الطبيعي للصادرات، وكذلك الحال بالنسبة للواردات، أي أنه لا مؤشر هنا على زيادة الإنتاج العالمي. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن صادرات الدول المنتجة للنفط قد نمت ربما بما يزيد على 60%، الاتحاد الأوربي بنسبة 18%، الولايات المتحدة 20%، الصين 29%، الهند 33%. وسينطبق نفس الأمر على قياس حجم الواردات على هذا الأساس أيضا.

هذه المعطيات لا تغطي وهم تعافي الاقتصاد العالمي فقط، بل وأنهم بعد نشر هذه المعطيات يستعجلوننا في الاستنتاج، كما يقول أحد كبار موظفي دويتشه بنك، بأن «بلدان العالم سوف تسعى إلى التخفيف من الإجراءات الحمائية، ما سينعكس إيجابا على التبادل التجاري». فهل حقا ستعمل بذلك الولايات المتحدة وأوروبا قبل غيرهما؟

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com