من بين الأخبار الواردة من القارة السمراء خلال الأسابيع الأخيرة، ووسط ضجيج فوفوزيلا مونديال جنوب إفريقيا الصاخب والطاغي على كل شيء، لفت انتباهي ذلك القرار الصادر عن مؤسسة «مو إبراهيم»، والمتعلق بجائزة الحكم الرشيد في إفريقيا جنوب الصحراء، فللعام الثاني على التوالي جاء القرار صارماً وقاطعاً: «لم ينجح أحد»!

من المرجح أن هذه النتيجة نفسها ستتكرر خلال السنوات القليلة المقبلة، ففي قارّة تسيطر عليها آفات الفقر والتخلف والحروب الأهلية والفساد والإيدز، يبدو أصلاً من قبيل «النكتة» أن نتحدث عن حكم رشيد بالمعايير المتعارف عليها دولياً. لكن، بعيداً عن التوقعات المتشائمة وموجباتها، فإن ما دفعني للكتابة في الموضوع هو شيء آخر.

ما جعلني أكتب عن جائزة «مو إبراهيم»، هو الفضول والرغبة في التعرف إلى قصة الجائزة، وحكاية صاحبها الدكتور محمد إبراهيم الشهير ب«مو إبراهيم».

هذا الرجل من مواليد عام 1946، وهو سوداني المولد، إفريقي الهوى، بريطاني الجنسية، صاحب شركة اتصالات كبرى، ولديه مشروعات أخرى عابرة للحدود، ملياردير وصاحب مؤسسة خيرية تحمل اسمه.

أراد الرجل أن يترك بصمة في واقع القارة السمراء، وحلم بالإسهام في انتشال القارة من التبعات الثقيلة لماضيها المرير وحاضرها الأمرّ. سعى من أجل عمل شيء لدفع عجلة التنمية والتطور فيها، عبر إطلاقه في العام 2006 جائزة الحكم الرشيد بقيمة 5 ملايين دولار، لتكون درّة أعمال المؤسسة اللاربحية التي تحمل اسمه.

تستهدف جائزة «مو ابراهيم» للحكم الرشيد أولي الأمر السابقين في إفريقيا، وتضع 84 معياراً للفوز بالجائزة. وتقوم على التحكيم فيها لجنة من الحكام والحكماء، يترأسها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي انان.

في عامي 2007، و2008 منحت اللجنة جائزة مو ابراهيم للحكم الرشيد، لاثنين من الرؤساء السابقين، بالإضافة إلى جائزة شرف للزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، ومنذ ذلك الحين اجتمعت اللجنة مرتين لتخرج في كل مرة نافضة الأيدي من أي أسماء تستحق الجائزة.

ومع ذلك، صرّح ابراهيم بأن مؤسسته ستظل تسعى بلا كلل ولا ملل لإشاعة القيم التي أنشئت من أجلها، والمتمثلة في مجتمع نظيف لا يحكمه الفساد ولا يهيمن عليه الفقر والجوع والمرض.

حكاية محمد ابراهيم ليست وحيدة في هذا العالم، ففي الفترة نفسها التي ظهر فيها اسمه وبدأ يتردد عبر وسائل الإعلام العالمية، كان البروفيسور البنغلاديشي الميسور محمد يونس، يقدّم أنموذجاً تاريخياً وإنسانياً ذا مغزى حول المسؤولية الاجتماعية للأثرياء، إذ خاض كفاحاً طويلاً من أجل إقناع المؤسسات المالية في بلده بنغلاديش، بأن توافق على فكرة منح قروض بلا ضمانات للفقراء، ونجح في ذلك باقتدار.

استطاع البروفيسور يونس أن يغيّر ثقافة راسخة ومتأصلة في المجتمع، تقوم على أن الفقراء لا يمكن أن يكونوا أهلاً للإقراض، ناهيك عن أن يكونوا أهلاً لإقامة المشروعات وإدارتها.

وتبعاً لذلك أسس «بنك غرامين»، المختص في إعطاء القروض متناهية الصغر لصغار الفلاحين والعمال وفقراء أحياء الصفيح. وتمكن البنك بقيادة يونس، وخلال فترة قصيرة نسبياً، من أن يغيّر الكثير من ملامح الوضع الاجتماعي في بنغلاديش، الأمر الذي أهّل محمد يونس للفوز بجائزة نوبل لعام 2006.

جميل أن يستطيع شخص ما جمع ثروة طائلة تقدّر بالمليارات، لكن، بعد مستوى معين من الثراء، يغدو تراكم الثروة أمراً فاقداً للمعنى والجوهر، ولا تعود الأصفار المتزايدة إلى اليمين تعني الكثير بالنسبة لصاحب الثروة، ما لم يؤد ذلك إلى تغير نوعي في مفهوم «المكسب» الذي يسعى إليه الشخص.

بعبارة أبسط؛ ما معنى أن تكسب مليون دولار إضافياً عندما يكون رصيدك عدة آلاف من الملايين؟ ثم ما قيمة هذه الثروة الطائلة أمام وجود ملايين البشر الذين يقبعون في قاع هرم ماسلو، ويتطلعون إلى أبسط الحاجات وأكثرها أساسية؟

ربما لا يكون هذا التساؤل مقنعاً بالنسبة لبعض الأثرياء، ممن يؤمنون بأن «قانون» ماسلو هو الحاكم والمتحكم، بلا حدود ولا ضوابط على أهواء أبناء آدم ومسيرة ارتقائهم على سلم الحاجات.

فمن هؤلاء من يتصرف على أساس أن المال يُعشق لذاته، وأن كثيره مجرد مدعاة للسعي إلى ما هو أكثر. لكن يبدو أن التاريخ كثيراً ما يجود من وقت لآخر بأسماء أشخاص ترتفع قاماتهم إلى ما هو أعلى بكثير من قمة هرم ماسلو؛ أشخاص رزقهم الله مالاً، وأغناهم فكراً وإحساساً بآدميتهم، فآثروا أن يتركوا بصماتهم في حياة البشر، ونجحوا في تحقيق منجزات معنوية أكبر وأجل من ثرواتهم المالية الضخمة.

بعضهم رحل، وبقي أثره يدل عليه لزمن طويل، وبعضهم ظلت منجزاتهم تؤثر في حياة أجيال وأجيال قادمة. لأن قصص كل من محمد ابراهيم ومحمد يونس وأمثالهما تستحق المزيد من التأمل، فإني أضعها برسم الأثرياء في وطننا، الذين لم يقصّر الكثيرون منهم في الالتفات لمسؤولياتهم الاجتماعية، وإن كنّا ننتظر منهم فعل المزيد من أجل تعزيز التلاحم المجتمعي في وطننا الحبيب.

صحيح أننا في دولة الإمارات نعيش مجتمع الرخاء، بفضل قيادة رشيدة اكتسبت حب الشعب بما بذلت من أجله من عطاء كثير، لكن ذلك لا يعفينا من تذكير الشركات والأغنياء ـ ولا غني إلا الله ـ بمسؤولياتهم الاجتماعية، التي تعدّ قيمة ثقافية وأخلاقية تفوق في أهميتها كل ربح مادي.

مدير عام الهيئة العامة للمعلومات

Salem.alshair@gmail.com