حسناً فعلت الجهات المعنية في الدولة بمنع عرض ذلك الفيلم الأميركي، صاحب الاسم الاستفزازي والمضمون الأكثر استفزازية.
من حقّنا أن نحافظ على هويتنا وثقافتنا، وليقل الآخرون ما يقولون عن تفسيرهم لدلالات الخطوة، ووجهات نظرهم التي قد لا تمت بصلة للاعتبارات التي من أجلها تم قطع دابر الفيلم عن دور العرض المحلية.
أياً كان الذي قيل وسيقال في وسائل الإعلام البعيدة، فلن يصل إلى الحملة الشعواء التي شنتها الصحف الغربية على روسيا في سبتمبر 2008، عندما قررت منع مسلسل كرتون أميركي للأطفال، بسبب آثاره الثقافية والتربوية المدمرة على النشء الصاعد.
يومئذ، وُصفت روسيا بأنها تعود القهقرى إلى أيام «الستار الحديدي» السوفيتية، واتُهمت بأنها تحنّ إلى عهود القمع والمنع، ودعا بعض الحانقين على الخطوة الروسية، إلى مجابهتها بموقف غربي ضاغط وموحد.
عندها ردت السلطات في موسكو باتخاذ قرار لا رجعة فيه، يقضي بسحب حق استخدام التردد نهائياً من القناة التي بثت المسلسل الكرتوني، وأمرت بمنح الحق لقناة أخرى تولّت تقديم برامج تعزز الروح الوطنية لدى الأطفال، وتعلّمهم احترام القيم العائلية، وتعلي من أهمية التفكير الإبداعي والرياضة والعلوم، وأمور أخرى تصب في خانة الاعتبارات الثقافية الاستراتيجية.
لم تكن التربية العلمية والوطنية في أي يوم من الأيام مهمة منوطة بالمدرسة لوحدها. لطالما كان البيت هو الجناح الثاني الذي إن فسد، فلن تجدي المليارات التي تُنفق على المؤسسات التعليمية. أما ثالثة الأثافي في هذا الشأن، فهي بلا شك وسائل الإعلام التي باتت خطورتها من الناحية التربوية تقترب من خطورة دور المدرسة والبيت.
لنتأمل في ما يفعل أطفالنا في البيوت؛ ماذا يشاهدون؟ وماذا يتعلمون من خلال ساعات جلوسهم الطويل أمام التلفاز؟
لينظر كل أب وأم بعين النقد والتحليل، إلى المحتوى الإعلامي الذي يتعرض له أطفالنا بصورة يومية: كم هائل من الألفاظ النابية، مشاهد منافية للأخلاق ومخجلة، أفكار وقيم لا تمتّ بصلة إلى تراثنا وثقافتنا، وفوق ذلك كله استبعاد شبه تام للغة العربية، وتركيز على الرطانة بلغات أجنبية. ثم، بعد ذلك نتحدث باستغراب عن جيل عربي منسلخ عن هويته، مغترب في وطنه، لا بوصلة لديه ولا دليل!
لعلكم تدركون أنني لا أتحدث عن قنوات أجنبية؛ إنما قنوات عربية «قح».
الأدهى من ذلك، أن من يحاول الهروب من المحتوى الأجنبي إلى العربي، يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار. ودليل ذلك يكمن في جيل السنوات الأخيرة من الأفلام العربية، التي تظهر من وقت لآخر على شاشات السينما. ما إن تستبشر بمقدم أحدها، وتأخذ «عيالك» لمشاهدته، حتى تشعر بحجم المقلب الذي وقعت فيه، وتدرك أننا أحياناً نتفوق على الغرب، ولكن في أمور غير التي نتمنى أن نتفوق فيها فعلاً.
أطفالنا أمانة في أعناقنا، وقبل أن نلوم المدرسة على ضعفهم أو تخلفهم، دعونا نتطلع حولنا ضمن المحيط الأقرب: البيت.
قبل أن نلوم المعلّم، دعونا نتطلع إلى حال ولي الأمر؛ القدوة الأولى في حياة الطفل. كم مرة وقعت عينا طفلك عليك وأنت تمسك كتاباً أو حتى جريدة، وتنهمك في القراءة؟!
هل تعلمون كم من المعرفة يأخذها الطفل العربي من خلال القراءة؟ أحيلكم إلى دراسة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم «اليونيسكو»، تبيّن أن الطفل العربي يقرأ ما متوسطه ست دقائق في السنة. لماذا؟ ربما لأن الأب العربي لا يقرأ أكثر من ذلك!
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات