أصبح الساندويش من أشهر الأغذية في العالم، تجده في الشوارع والأزقة، في المقاهي والمطاعم، رخيص أو باهظ الثمن، إلا أن مجامع اللغة العربية لم تره مسمى لوجبة، بل مسمى أجنبيا وجب تعريبه، وهكذا أتى مصطلح «الشاطر والمشطور والشطيرة بينهما» كتعريف للساندويش! سنخرج سخرية هذا المسمى، لنذهب به لأبعاد فكرية في بعض الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية العربية.

سندويش«العروبة» يتكون من القومية والوطنية العربية والعرب بينهما، أصبح أداة ضاغطة وادخل العرب في دوامة مفرغة وايديولوجيا عتيقة. إن الخروج من هذا التأزم يتطلب تركيبة وانفتاحا فكريا جديدا، تشكل سندويشات العرب الملفوفة مثل الشاورما، كما يراها البعض، انعكاسا لشخصيتهم الملتوية ومشاكلهم الاجتماعية المغلقة، أما الآخرون فيسخرون من هذا الاستنتاج، فالشاورما يمكن طلبها على صحن، وما هذا الاختلاف الا تعبيرا عن أذواق المجتمعات المختلفة في العالم.

أو ليست هذه الأذواق كذلك أحد التعابير لتلك القيم لدى المجتمعات في ما هو أفضل؟ ونتساءل هنا ما هو الافضل لدى العرب؟ وهل لديهم ذلك الافضل الذي يجعلهم في مقدمة العالم وليس مؤخرته؟ إن هذا الجدل بينهم مستمر ونتائجه في فشل ومُفكروه وكُتابه في تلف وقادتهم في تعب.

تعيش دول الخليج سندويشاً عجيبا يسمى «سندويش الإيجار»، فهي تؤجر ما تحت الارض وما فوقها، فبين المستأجر والمأجور ينبع الدخل للمؤجر، والنموذج الاقتصادي لهذا السندويش هو الإكثار منه للإكثار من الدخل، بمعنى المزيد والمزيد من المستأجرين «التركيبة السكانية!». إن السندويش الخليجي أصبح العمود الفقري لإعادة توزيع الثروة في دولهم، والمساس به دائماً في تعثر، والمخرج الاستراتيجي هو تبني منابع دخول أخرى للمواطنين كجزء من إعادة توزيع الدخل.

تعد صناديق الاستثمار من أفضل الخيارات، ففيها يكافأ مدير الصندوق بنسبة من الأرباح مقارنة بنسبة ثابتة من حجم الأموال لمدير صندوق الأسهم، سواء رَبح أم خسر. إن نجاح صناديق الاستثمار يعتمد على أمور كثيرة، من أهمها التقنين والترخيص، فلنجعل «سندويش الاستثمار» إماراتيا تكون به دولتنا سباقة مرة أخرى ومصدرةً له.

إذا نظرنا إلى «الشاطر» فلهُ رموز ومعان لغوية مختلفة، فالبداية في «الشطر» وهو القسمة إلى اثنين أو حذف النصف، وأما تفعيلها في الشطارة، والشاطر الذي يجيد حسن التصرف ومهارة تدبير الأمور والقدرة على التخلص من المشاكل.. كم يحتاج العالم لهؤلاء في هذه الأزمة المالية العالمية التي يتوقع ان تجر خلفها أزمة اقتصادية عالمية تضعنا بين شاطر ومشطور الأزمتين، ويا له من سندويش فيه شدة وعياء!

إذا كان الشاطر هو الفاعل، فما حكم المشطور؟ إنه معطوف على الشاطر نحوياً، ويُعرف بأنه مؤلف من قسمين متساويين لكنهما مختلفان. عجيب الشاطر والمشطور أدخلانا في خلاف دبلوماسي، فكيف نؤلف بين قسمين متساويين ولكن مختلفين؟

ويذكرنا هذا بالعنصرية فعندما يستقوي طرف على آخر ليصبح الآخر مواطن درجة ثانية، لا بل يتعرض إلى تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية كما كان الحال في الصرب على البوسنة، وباءت جميع المحاولات الدولية لإخمادها بالفشل، إلى أن قامت الولايات المتحدة بقصف الصرب وحينئذ جلس الطرفان وتوصلا إلى سلام، وهكذا أصبح المشطور أشد تدميراً ممن عُطف عليه.

كم هو التشابه هنا والموقف الفلسطيني، لماذا كل هذا التمهل الذي طال وطال عاما بعد عام وغضبا على غضب؟ لقد أثبت القصف الأميركي نجاحه في إيقاف الحرب العنصرية والجرائم ضد الإنسانية، لا بل في إحلال السلام حتى لو كان هشا، وفُتحت محكمة لاهاي لمحاكمة هؤلاء المجرمين، وهكذا يمكن جلب القادة الإسرائيليين لها، ولكن ذلك لن يأتي إلا بالقصف الأميركي، فهل ستقوم أميركا بقصف إسرائيل!

أتى الشطران كالكفين يصفقان كأنهما يشاطران البهجة لحدث عظيم وقدوم مبارك، ووقف العرب على الطرقات يهللون وبالدف يطَبلون لقدوم فطيرتهم التي كانوا دونها جائعين، عجيب هل كان العرب جياعاً؟ نعم كانت تتفشى فيهم البطالة ومستوى الفقر حيث وصل في بعض دولهم إلى الثلث أو أكثر.. ما أحوجنا لصناديق التنمية المتخصصة، لبناء المئات من المعاهد المهنية وتشييد المشاريع التنموية حول العالم العربي.

وهكذا ذهب بنا الساندويش إلى أبعاد نأخذ فيها الأمور المختلفة إلى استنتاجات واستنباطات ليست في الحساب، فهناك من يرى الصخرة حجرا بينما الآخر يفكر ماذا سيصنع بها.. إننا نرى العرب عربا، فدعونا نفكر ماذا سنصنع بهم وإلى أين سنصل معهم!

كاتب إماراتي

wafik@almullaholding.com