اعتمدت الدول الكبرى في استراتيجيتها الخارجية والداخلية على وسائل الإعلام، ووضعتها على المرتبة الأولى في حلقتها الأقوى في أجندات عملها.

واعتبرتها من أهم الدعائم لنمو الدولة داخليا وخارجيا عن طريق توصيل رسالة مدروسة من جميع النواحي في تأثيرها على مختلف الشرائح من كبار وصغار مثقفين وأميين من الداخل والخارج، ولدعم توجهاتها ومواقفها خارجيا لتستطيع طرح قضاياها وتحقيق مصالحها باقتدار.ومن المعروف أن الإعلام ليس قسراً على جزء معين من العالم أو على لغة واحدة، بل بات أشبه بلغة واحدة تتوزع في حروف مختلفة عبر العالم ويفهمها الجميع في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولو رجعنا للخلف لتجارب التاريخ لرأينا الحكمة والأسلوب المبتكر لوزير الإعلام الألماني باول جوبلز في حقبة هتلر الذي مازالت أفكاره ونظرياته في الإعلام تدرس وتستخدم حتى الآن، وهو صاحب الفضل في ابتداع شعارات النازية التي مازالت تستخدمها جماعات متطرفة حتى الآن وأشكالها التي تستخدمها حتى بيوت الأزياء.

لنلق نظرة على حرب الخليج الثانية وبراعة وزير الإعلام العراقي الذي أظهر للعالم صمود بغداد بينما هي تسقط أو كانت قد سقطت بالفعل بينما يقف يتحدث عن صمود الشعب العراقي أمام ما أسماهم بـ «العلوج»، ونتذكر السبل التي استخدمها الصحاف لاستمرار البث التلفزيوني رغم ضرب الأميركان لمقر التلفزيون العراقي، فضلا عن المصطلحات التي استخدمها ورددها الملايين في كل أنحاء العالم والتي جعلت ملايين المشاهدين يجلسون ينتظرون ظهوره على الشاشة لمعرفة الموقف العراقي ولسماع كلامه ومفرداته الجذابة.

هنا نطرح التساؤل: هل يستوعب العرب ويفهمون جيدا أهمية الإعلام ووسائله ونظرياته وأساليبه الحديثة، وهل يجيدون استخدام كل هذا في تحقيق أهدافهم ومصالحهم؟

لنرجع إلى خطاب الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر في العام 1970 في عيد العمال عندما أشار إلى أن «البرلمان الإسرائيلي مستاء لتسمية إسرائيل بالدولة المحتلة في الإعلام العربي»، لكن الحقيقة أنهم لم يستاءوا كثيراً ولم يعيروا اهتماما لما يقوله الإعلام العربي فيما بعد لأنهم واثقون بأن إعلامنا محدود الإمكانيات والأفاق وأنه حبيس المساحة الجغرافية العربية لا أكثر، ولا يشاهده ولا يتابعه أحد خارج المنطقة العربية.

وذلك على عكس الإعلام الإسرائيلي الذي يملك إمكانيات هائلة للانتشار ويتولاه خبراء إعلام عالميون أمثال روبرت مردوخ، هذا الرجل الذي يطلقون عليه وصف إمبراطور الإعلام، وهو أسترالي يهودي مقيم في بريطانيا ويستثمر معظم ثروته في الإعلام، ويحرص على خدمة الدولة الصهيونية ومصالحها ويتبنى نقل سياساتها وتوجهاتها للعالم عبر وسائل الإعلام التي يمتلكها في مختلف الدول وبمختلف لغات العالم.

ومن المؤسف أن نسمع مؤخرا أن مردوخ هذا قد دخل في الآونة الأخيرة الوطن العربي بشراكة قوية مع أقطاب المؤسسات الإعلامية العربية الضخمة، ولا ندري إلى أي مدى ستؤثر هذه الشراكة، وهل ستكون في مصلحة العرب أم في مصلحة إسرائيل، وإن كنا نشك أنها ستكون في مصلحة العرب.

كلنا نرى أن أعين العالم اتجهت إلى الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ونحن على يقين أن أمتنا تمتلك قدرات كبيرة وهامة ولها فاعليتها وقوتها في التأثير، لكنها بالطبع غير مستغلة، خاصة في مجال الإعلام، حيث إن إعلامنا لا يخاطب أحدا غيرنا، بدلالة وجود قناة تلفزيونية إخبارية واحدة باللغة الإنجليزية، رغم أن هذه القناة الواحدة زادت من وزن الدولة التي تحتضنها على أراضيها كثيرا على المستوى الدولي.

أما بقية القنوات العربية الناطقة باللغة الإنجليزية فلا رسالة أو تأثير، بل معظمها ترفيهية تبث مسلسلات وأفلاما أجنبية لا تساعد المواطن العربي في شيء، اللهم تؤثر سلبيا على قيمه ومبادئه ومعتقداته، بينما تساعد الغرب في نقل فكره وطريقة حياته ومنتجاته السيئة والجيدة إلى عقولنا وعقول أبنائنا الصغار الذين باتوا يتابعون المسلسلات والأفلام الأجنبية أكثر بكثير من قرينتها العربية.

ولو نظرنا لما يصل إلينا من الخارج عبر أثيرنا، لوجدنا أن الدول تتهافت للتأثير علينا فكريا وسياسيا وتحدد منظورنا للعالم، وخاصة أننا عاطفيون وننساق وراء ما يقال، فمنذ بداية ظهور الراديو والتلفاز كنا نشاهد ال«بي بي سي» البريطانية ونصدق كل ما تقدمه لنا، وبعدها هلت علينا القنوات الأميركية، ومن ثم الفرنسية.

وتحايلوا على المشكلات التي واجهت قنواتهم في الوصول إلينا في البداية حيث تم إغلاق البعض منها لما بثته من مقاطع إباحية، وليس بسبب المفهوم والرسالة التي تريد إيصالها، مما اضطرها إلى تغيير رسالتها الإعلامية بعد معرفة عاداتنا ومحظوراتنا، والآن هناك القنوات الروسية والتركية والإيرانية وغيرها تتوجه إلينا بلغتنا العربية لتؤثر في عقولنا وتعمل في مجتمعاتنا ما تشاء، ونحن مجرد متلقون لا أكثر.

لقد اكتفينا نحن العرب بالتنافس فيما بيننا في الدراما والمسلسلات الفكاهية والبرامج المقتبسة من العالم الآخر والمدبلجة، وكأننا فقدنا القدرة على الابتكار، ونضخ أموالا طائلة في إنتاج المسلسلات الرمضانية، والتي يكفي أقل من نصفها لتأسيس فضائية كل عام موجهة بلغة أجنبية لدول العالم تنقل للشعوب الأخرى أفكارنا وقضايانا، بل أنني أشك كثيرا أن لدى أي دولة عربية سياسة إعلامية محددة تخدم مصالح شعبها أو أمتها العربية.