إن النذر في الأفق تُقرع وقراطيس السلام تُمزق، والشارع العربي على مفترق طرق وأنظمتهم في قلق، إنها حرب الحروب العربية كيف ستتفرقع؟ لا ندري، كيف ستأكل الأخضر واليابس؟ لا ندري، وليس كل ما في الأفق يُطرق.
فرصة أخيرة لإسرائيل وحزب الله وحماس (أربعة أشهر) لتعظيم قواهم التحطيمية والتخريبية كل لغايته، إنه التفاوض غير المباشر مع إسرائيل والذي أعلنه العرب لمدة أربعة أشهر، ومن يعرف؟
فقد يمدد شهراً أو شهرين أو أكثر (المماطلة المعهودة)، أما السلام فقد أكل عليه الدهر وشرب، فقرارات العرب لن تتجاوز الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، وبعدها إلى شهر سبتمبر لاستخلاص قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وماذا بعد هذه القرارات؟
هل ستكون هناك فلسطين وعاصمتها القدس وحق العودة؟ طبعاً، لا ولا في الخيال، إذاً لا سلام عربياً إسرائيلياً، وما الجديد؟ وهل هذا التحرك الدبلوماسي سيفتح الباب للعرب للدخول في حرب تكتيكية لكسر هذا الجمود؟ ومن سيقوم به؟
تسير الأمور في هذه الأثناء كما هي، ففي الضفة الغربية المزيد من الاستيطان الإسرائيلي وهدم مساكن الفلسطينيين وتخريب مزارعهم وزجهم في السجون واستباحة مساجدهم، ان هذه الأمور مجتمعة ما هي إلا قنبلة مؤقتة للانتفاضة الثالثة.
ان انفجار الانتفاضة ليس مرتبطاً بالمفاوضات، فهي ثورة شعبية عارمة انعكاساتها لا تقدر ونتائجها متشعبة، ومنها هل ستشعل صواريخ حماس وتنطلق حرب غزه مرة أخرى؟ أو هل ستثير زحف المليون شخص نحو نهر الأردن؟ أو كيف سيكون رد الشارع العربي؟
يقولون ان حزب الله يمارس الحرب بالوكالة، لكن المقاومة اللبنانية دحرت إسرائيل إبان احتلالها للبنان في الثمانينات من القرن الماضي، وقامت بهزيمتها كرة أخرى في 2006 محطمة بذلك أسطورة الجيش الذي لا يهزم.
ولا تزال إسرائيل في عار هذه الهزيمة وتتربص لليوم الذي تنتقم فيه من المقاومة اللبنانية، بأي ذريعة حتى لو تطلبت صنعها. فهل تعطي المباحثات غير المباشرة غطاءً وفرصة أكبر لأن تتحقق هذه الاحتمالات؟
إن تزامن هذه الاحتمالات سيخلق ارتباكاً وبلبلة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ناهيك عن العربي، وسيصب كيف وأين سيتم احتواء هذا الزخم من العنف (الحرب الطاحنة)، وإلى متى سيُسمح لها ان تطول (بالأسابيع أم بالأشهر).
لقد فشلت إسرائيل في تقديراتها الحربية على غزه باستخدامها القوه المفرطة وقنابل الفسفور ضد المدنيين الفلسطينيين العُزل الذين لم يخروا راكعين أو رحلوا من غزة.
إننا في خضم الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الإرهاب الإسلامي والمتمثلة بإعلان الرئيس أوباما في القاهرة، ولا تستطيع أميركا ان تعمل بنجاح في العالم الإسلامي ما دام الوضع متوتراً في الأراضي الفلسطينية «بؤرة الحجة الإرهابية»، وعليه قامت بدعوة العرب (الفلسطينيين) لهذه المحادثات غير المباشرة.
بعد ان فشل السيناتور ميتشل في ذلك على مدى عام كامل، فهل من جديد؟ إسرائيل أساساً لا تكترث بطلب أميركا المتكرر بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، فهل ستكترث بما يقوله العرب؟! وأميركا ماذا هي فاعلة؟
إن هيمنة النفوذ الأميركي في المنطقة تجعل أميركا قادرة على تسيير مصالحها وأمامها شتى الخيارات، وبما أن التعامل المباشر مع إسرائيل يهز أعمدة البيت الأبيض، فالعمل الأميركي سيتجه لحلول وعلاجات غير مباشرة.
ومنها إعادة النظر الاستراتيجي في مخلفات الترتيب الذي تركه الاستعمار الأوروبي في المنطقة، ومنه استراتيجية الهلال الخصيب الذي يبتدئ من فلسطين وينتهي في العراق، وقد طرح في وقت معين لصد خطر استراتيجي خارجي يهدد مصالح الغرب في المنطقة وهو لا يزال ممكناً.
فهل ما تقوم به أميركا في العراق محاولة لإعادة بناء هذا الهلال ابتداءً من هناك متوجهاً نحو «فلسطين المستقبل»؟ وهل سيكون ذلك أحد الأسباب الدافعة لإسرائيل لإثارة القلاقل والحروب لإفساد هذا المشروع؟ أما بالنسبة لأميركا فهيكل كهذا له فوائد إضافية متعددة، ومن أهمها تذويب الحجة الإرهابية.
وعلى شاكلة الهلال الخصيب، فإن هلال النفط في الخليج العربي سيمتلك النقد والنفط والغاز، في أيدي عرب مسلمين ذوي نفوس سخية نحو الغرب والشرق وأينما تواجد إخوانهم العرب والمسلمون، والإسهام بآلاف المليارات من الدولارات سنوياً لبناء الاقتصاد الحقيقي لتلك الدول العربية والإسلامية.
لنزع ما تبقى من الحجج الإرهابية من الجوع والفقر والبطالة، وسيسهم ذلك إيجابياً في الاقتصاد العالمي بمشاريعه العملاقة، ويكون رديفاً للمتطلبات الاستراتيجية الدولية.
لكن الإشكال الاستراتيجي هنا يدور حول كيفية بناء هيكل كهذا، ومن أين تكون بدايته ونهايته! وأخيراً، فالواقع له عقلانيته والمستقبل ضرب في اللاعقلانية، ويجب ألا نصدق أي شيء وأن نتوقع كل شيء.
كاتب إماراتي