في دراسة أجراها «معهد ما بعد الأزمة» وشارك فيها 223 خبيراً من 51 بلداً، حاول اقتصاديون ومحللون ماليون وصحافيون ورجال أعمال وعلماء وسياسيون ومسؤولون حكوميون، الإجابة على التساؤل حول مستقبل الاقتصاد العالمي. تناولت غالبيتهم الأزمة الاقتصادية الراهنة على أنها بداية لمرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
والاستنتاج الرئيسي الذي توصلوا إليه، هو أن العالم سيواجه أزمة جديدة لا مفر منها خلال ال10 15 سنة المقبلة، لكنها ستكون هذه المرة أزمة جيوسياسية، ولن يمكن إصلاح اختلال التوازن الاستثماري والسياسي العالمي بالإجراءات الاقتصادية وحدها.
والتوازن الجديد يمكن أن ينشأ بنتيجة إحدى حالتين: إما محادثات كونية، وإما صدامات وحشية. وقد أجمع الخبراء على حقيقة أن الأزمة الاقتصادية الراهنة ستتمحض عن قيام معمار مالي جديد.
المتغيرات الطبيعية بعد الأزمة، تبين أنه سيتوجب على من يطمح للقيادة العالمية، أن يقدم للعالم أفكارا جديدة. فسوف تظهر بلدان قيادية جديدة ونماذج جديدة للتنمية، وربما حدود دولية جديدة. فالسياسة المالية التي اتبعتها الدول المتقدمة لم تبرر نفسها، وغدت هناك حاجة لقادة أقوياء جدد.
وعليه رأى الخبراء أن مراكز مالية عالمية جديدة سنتهض في مواجهة نيويورك ولندن، وستحتل جمهورية الصين الشعبية المكانة الأولى بلا منازع، تليها بقية بلدان مجموعة BRIC التي تضم، إلى جانب الصين، روسيا والهند والبرازيل، ثم الاتحاد الأوروبي، أي أن مركز ثقل القدرات المالية العالمية سينحاز من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.
جمهورية الصين الشعبية تتباهى اليوم محقة بأفضلية نظامها المالي النقدي على سواه في العالم، حيث جنبها الأزمة المالية التي تتخبط فيها الاقتصادات الكبرى وتوابعها. أما الاتحاد الأوروبي فيتلمس الطريق للخروج من ربقة النظام المالي النقدي الذي تقوده الولايات المتحدة. ويرجع كثير من الاقتصاديين والسياسيين أسباب أزمة اليونان، إلى المضاربات على سنداتها في أسواق المال الأميركية.
وقد أزعج ذلك الأوروبيين كثيرا، ودفعهم إلى التحرك من أجل تعزيز الحماية ضد ألاعيب المضاربات حول الديون السيادية. وقد طلبت فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ واليونان، من رئيس المفوضية الأوروبية مانويل باروزو أن يجري تحقيقا فوريا.
في مدى تأثير تسويات «ديون ـ عجز» على المتاجرة بالسندات السيادية، ولماذا أصبح الاقتراض مرتفع السعر إلى هذا الحد؟ هل لنقص في السوق ذاته أم بسبب المضاربات الكبرى حول ديون الدول؟ وإذا كان الأخير هو الصحيح، فإن من الضروري اتخاذ إجراءات فورية لتشديد الرقابة والتنظيم.
من الجهة الأخرى، يبدو الاتحاد الأوروبي، بسبب نظمه الحالية، عاجزا عن تقديم مساعدات مالية مباشرة للبلد العضو الذي يصبح على مشارف الإفلاس، ويتعين على هذا البلد البحث عن الإعانة من مصادر خارج الاتحاد الأوروبي، ما يعني مساسا بهيبة الاتحاد ككل. والأسوأ من ذلك، الوقوع في التبعية للدائن الخارجي الذي يمكن أن يملي شروطه.
هذا ما حدا بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للقول «إن علينا أن نحصل على إمكانية حل مشاكلنا مستقبلا، دون الحاجة إلى صندوق النقد الدولي». وقد أيدت المفوضية الأوروبية في بروكسل مبادرة ميركل، وأبدت استعدادها للانخراط في عملية إنشاء صندوق النقد الأوروبي، كبديل لدول الاتحاد عن صندوق النقد الدولي.
بالطبع لن يكون مخاض ولادة الصندوق سهلا، غير أن الأمور تسير إلى أعمق من ذلك. ففرنسا وألمانيا تدعمان فكرة إنشاء حكومة موحدة للاتحاد الأوروبي، كما صرحت بذلك المستشارة ميركل بعد محادثاتها مع رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون.
وقد تصبح المقترحات حول تشكيل هذه الحكومة ومهامها الرئيسية، جاهزة مع بداية إبريل المقبل. ويرى الجانبان أنه من أجل ذلك، لا ضرورة لإدخال أية تعديلات على الاتفاقيات المبرمة سابقا.
وهكذا فإن الهرم المالي العالمي الواحد، الذي يعتبر صندوق النقد الدولي أهم أعمدته، لم يعد قابلا للبقاء، وقد حان للنظم المالية الإقليمية أن تطرح نفسها بديلا موضوعيا عنه، ولو بعد حين.
كاتب بحريني