كثيرون يحلمون أن تحقق القمة العربية المقبلة في ليبيا المصالحة العربية ـ العربية الحقيقية بين مصر وقطر، ومصر والجزائر، وهذه الأخيرة مع المغرب إضافة إلى المصالحة الفلسطينية الداخلية، خصوصا بعد نجاح القمة السابقة في الدوحة في تحقيق المصالحة السعودية الليبية، والتي تميزت بأنها قمة الانفراجات الكبرى والمفاجئة على المستوى العربي.
ما تتطلع إليه الجماهير العربية هو مصالحة ومواقف عربية تعيد للأمة العربية مكانتها ودورها القومي الفاعل على المستوى العربي والإقليمي والدولي، وألا يكون الأمر مجرد لقاءات أو مصالحات شخصية.
وإنما تتطلع وتطمح إلى إستراتيجية عربية موحدة تقوم على تغيير السياسات العربية الراهنة، وعلى استعادة الرؤية القومية لكل القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية التي كانت يوماً هي القضية المركزية للأمة العربية، والنظر إلى الاحتلال الصهيوني لفلسطين على أنه خطر يهدد الأمة بأسرها وليس الشعب الفلسطيني وحده.
ومواجهة الاحتلال الأميركي للعراق على أنه خطر يهدد المنطقة العربية، خاصة وأنه فتح الأبواب أمام الانقسامات الطائفية والمذهبية التي باتت تهدد الوطن العربي.
كما أن إستراتيجية المصالحة العربية المطلوبة يجب ألا تقوم على قاعدة الاستناد للحماية الأميركية من الخطر الإسرائيلي، بل يحب أن تقوم على حشد الطاقات والقدرات العربية وإعادة بنائها سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
فهذا هو الطريق الوحيد لتمكين الأمة العربية من استعادة حقوقها كاملة، والتصدي لكل المخاطر التي تهدد الوطن العربي، فكلنا يعلم أن وحدة العرب وتجاوز خلافاتهم وشقاقاتهم هي الشرط الشارط للوصول إلى التطلعات والطموحات العربية المشتركة.
وأن الخلافات العربية بكل مستوياتها وأشكالها، هي مضرة لحاضر العرب ومستقبلهم، ولا يوجد على الصعيد العربي رابح من هذه الخلافات. كلنا كعرب خاسرون من خلافاتنا، ولا خيار أمامنا إلا تجاوز الخلافات ورأب الصدع الذي استفاد منه خصوم الأمة..
وإن قضايا العرب الاستراتيجية والملحة اليوم، تتطلب انتفاضة عربية تصالحية، ويتجاوز الجميع فيه خلافاتهم وأسباب تباعدهم. وهذا كله في حاجة إلى مبادرة عربية سريعة قبل قمة ليبيا تستهدف المصالحة العربية، وإنهاء كل أشكال الخصام والتباعد في الساحة العربية.
وعدم تفجير أية صواعق مهددة لها قبل ذلك، وقيام المصالحات الجادة على أسس تعيد للبيت العربي تماسكه، والتطلع مجدداً إلى مواجهة كل ما يتهدد هذا البيت من أخطار، بفعالية وتبصر بعيدين ضوء التحديات الراهنة.
المطلوب حتى لا تتكرر الخصومات العربية، هو بناء إستراتيجية موحدة في قمة ليبيا، تبلور الخيارات السياسية العربية، وتجيب على أهم الأسئلة التي تطرحها أحداث المنطقة وتطوراتها المتعددة.
فالمصالحة ليست مشروعا عاطفيا، نطالب به، ونلح عليه، وإنما هي ضرورة من ضرورات الأمن القومي العربي. وحاجة ملحة لكل الدول العربية، للوقوف معا، تجاه مختلف التحديات والتحولات. ولكي يتمكن الجميع من تجاوز وإفشال كل المخططات والمؤامرات التي تستهدف المنطقة العربية بأسرها.
المصالحة الحقيقية ليست خطبة سياسية عصماء يلقيها هذا الزعيم العربي أو ذاك، إنها مشروع متكامل، يتطلب إرادة سياسية، وخطط مرحلية متكاملة، ومؤسسات وأجهزة عربية متكاملة، تنفذ كل المقولات الجميلة حول المصالحة، وتحولها إلى حقائق قائمة وشاخصة في المشهد العربي.
وحاجة الدول العربية تقتضي من كل الزعامات العربية، الإعلان عن موقف صريح من خطوات المصالحة، وتوظيف موقعها السياسي والدبلوماسي والدولي لتعزيز هذا الخيار، وتوفير كل أسباب وعوامل النجاح له.
المؤشرات بدأت تلوح على أن المصالحة العربية - العربية ماضية في وجهتها العملية الصحيحة، وكل الأطراف ينظرون بعين التفاؤل إلى مؤتمر ليبيا، عساه يترجم هذه المصالحة، ويبدع في إيجاد تسوية حول أهم الأمور التي هي موضع خلاف الآن بين الدول العربية.
والتحدث إلى العالم بلغة موحدة تعكس أهدافا ورؤى عربية موحدة ترتكز على مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية، وتسعى إلى استغلال الظروف الدولية الراهنة، التي توفر فرصة قد لا تتكرر لتحقيق اختراق جدي في عملية السلام، بما يؤسس لخطوات عملية لاحقة أخرى من شأنها فرض أمر واقع على إسرائيل.
ودفعها لتقديم مزيد من التنازلات، خصوصاً تجاه الفلسطينيين بتياراتهم كافة، تعطيهم جرعات أمل حقيقية بقيام دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. فمن المؤلم أن القضية الفلسطينية تختصر حالياً في قضايا هامشية، مثل التهدئة وفتح المعابر والإنفاق، بعد أن كانت قضية تحرير وتقرير المصير.
نتطلع إلى مصالحة تعيد الحد الأدنى من الهيبة العربية، وترتقي إلى مستوى الشعوب وكرامتها وطموحاتها، لا إلى مصالحة ضد هذه الشعوب وتطلعاتها المشروعة في العدالة والتقدم والمساواة وتحرير الأراضي المغتصبة.