مؤتمر لندن مد يده.. لكن في أفغانستان وقائع الميدان لا تنبئ بما يوحي بأوان مد الأيادي بقدر ما تشير المدارات الساخنة، ولعل آخرها هجوم كابول، إلى أن الأمور وصلت إلى مرحلة تكسير العظام.
وفي هذه الحالة يتجه الحديث إلى الورثة المتوقعين لموت الطرف الذي ينازع في موسمه الأخير، مهما زود بأجهزة تديم تنفسه الصناعي، وكل حديث عن مضادات حيوية لن يصل به إلى بر الاستقرار، نظراً للبون الشاسع بين الأمنيات وما يفرضه دوي السلاح الذي يتردد صداه في وديان من الانتماء القبلي والتطرف الفكري، وهما يتكئان على خطيئة الاحتلال وعملائه في مشروعية الاستمرار في القتال وجذب المزيد من الأنصار.
من الصعب الاقتناع بأن ما يحدث في بلاد الأفغان هو عنف تمارسه عصابات، يمكن أن تقبل برمي عظمة الـ 500 مليون دولار، لكي تتخلى عن مشروعها الأكبر بعودة الإمارة التي أطلقوا عليها اسم «الإسلامية».
وحسب رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون، فإن هذه الصدقة الدولية تهدف إلى تمويل «إعادة تأهيل مقاتلي طالبان»، وكأن الحركة التي طورت من نفسها سياسياً وعسكرياً خلال السنوات الماضية، إنما هي من وجهة نظر الغرب مجموعة من المعتوهين الذين هم في حاجة ماسة إلى كبسولات من الدواء السريع المفعول.
غريب أن يعقد في لندن مؤتمر برنامجه الأساسي «طالبان»، بينما تغيب الحركة عن أروقته رأياً وفكراً ومعتقداً وحضوراً، ولعل رد الفعل المبدئي على الصفقة يوحي بمستقبل التعامل مع مفرداته على الأرض، حيث اعتبرته الحركة «مناورة دعائية وأنه سيفشل في تحقيق نتائج».
وأظن أن الإشارة هنا تصب في اتجاه استحالة تحقيق هدف شق صفوف طالبان تحت قيادة الملا عمر، وهو ما حاولته قوات التحالف بقيادة واشنطن الفترة الماضية، دون التوصل إلى نتائج ميدانية يمكن البناء عليها من أجل تفجير الحركة من داخلها.
مؤتمر لندن كان صادقاً وعملياً في إشارته على لسان وزير الخارجية البريطاني، إلى أن سنة 2010 ستكون «سنة حاسمة بالنسبة للتعاون الدولي من أجل مساعدة شعب أفغانستان على ضمان الأمن لبلادهم وحكمها»، لكنه ليس حباً لهذا الشعب، وإنما هو محصلة نهائية لما فرضته ديمومة المواجهات والخسائر التي منيت بها، متمثلة في مصارع الجنود التي سببت بالغ الإحراج للعواصم الغربية المشاركة في التحالف.
إضافة إلى فقدان قرضاي ومجموعته كثيراً من شرعيته المنقوصة أصلاً، وكذلك جراح القبائل التي زادت طائرات التحالف من ملحها بقذائف فقدت التمييز بين الطالباني والإنساني.
إذن، لنغير العنوان إلى مؤتمر لندن لإعلان رحيل الاحتلال من بلاد الأفغان.