في نوفمبر عام 2004 اندلعت «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، وهي الثورة الثانية في مسلسل الثورات الملونة المدعومة بشكل علني ومباشر من واشنطن بعد الثورة الوردية في جورجيا عام 2003، وكالعادة بشر البرتقاليون الشعب الأوكراني بالحرية والديمقراطية وبأنهار العسل والرفاهية التي ستأتيهم من الغرب بعد أن يبتعدوا عن روسيا، والآن بعد خمس سنوات يخرج الشعب الأوكراني ليصوت في انتخابات الرئاسة ويضع زعيم الثورة البرتقالية يوشينكو في أسفل القائمة ويخرجه من المنافسة.
أيا كان الرئيس القادم في أوكرانيا فإنه سيواجه تركة لا تقل سوءا عن تركة بوش الابن لأوباما في أميركا، فقد وضع البرتقاليون الاقتصاد الأوكراني في أسوأ حال، حيث تضاعفت ديون أوكرانيا في السنوات الخمس الماضية أربع مرات وتجاوزت حجم الموازنة العامة للدولة.
ولم يجد قرض 17 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لأوكرانيا في شيء، والآن مطلوب من كييف في العام الحالي 2010 أن تبدأ في سداد ديونها الخارجية البالغة 37 مليار دولار، وأحوال الأوكرانيين في أسوأ مستوياتها وخزينة الدولة خاوية، والميزانية تواجه عجزا يصل إلى 12%.
ولا يتصور أن توافق أية جهة على منح أوكرانيا قروضا أخرى، لأن أي قروض جديدة ستذهب في سداد القروض القديمة، ولا يتصور أية مساعدة من واشنطن والأوروبيين في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية.
أيضا حلم البرتقاليين بالانضمام لحلف الناتو تقريبا قد تبخر، فقد اتضح أن القوة العسكرية الكبيرة التي ورثتها أوكرانيا من الاتحاد السوفييتي السابق، والتي كانت تعتبر الوريث الثاني بعد روسيا.
قد تراجعت مع البرتقاليين بشكل كبير، والهدف كان تقليص النفقات وانعدام الموارد للإنفاق على الجيش، فقد تقلص عدد الجيش الأوكراني من 700 ألف فرد إلى 196 ألفا، وبعد أن كانت الميزانية العسكرية تعادل 3% من الموازنة العامة وصلت إلى ثمانية من عشرة في المئة .
وهذا أقل من حاجة الجيش بنسبة 62%، وكان مقررا تحديث 70 طائرة ميغ لم يتم تحديث سوى خمس منها، وانخفضت ميزانية التغذية في الجيش بنسبة 60%، والطائرات لا تتدرب بسبب نقص الوقود، والجيش لم يتدرب على ذخيرة حية سوى مرة واحدة فقط في السنوات الخمس الماضية.
وصرح رئيس الأركان الأوكراني الجنرال نيكولاي سفيدا للصحافيين قائلا «إن ميزانية الدفاع للعام 2010 التي أقرها البرلمان لا يستطيع معها الجيش الوفاء بالتزامه بحماية الوطن»، وفي ظل هذه الأوضاع لا يمكن قبول عضوية أوكرانيا في حلف الناتو في المستقبل القريب، وفي نفس الوقت يجري التحقيق حول كميات الأسلحة الكبيرة التي باعها نظام الرئيس يوشينكو للخارج ولم يصل من عائداتها شيء للدولة.
هذا هو باختصار شديد حصاد الثورة البرتقالية والديمقراطية الأميركية في أوكرانيا في خمس سنوات، ولهذا لا نندهش أن يرفع جميع المرشحين للرئاسة (باستثناء البرتقالي يوشينكو) شعار التقارب مع روسيا وتسوية كافة المشاكل معها، ومن يتحمل مشاكل وأزمات الشعب الأوكراني سوى الجارة الأم ؟.