أسباب كثيرة جعلت عالم اليوم كالقرية، تتداخل فيه العوامل الداخلية والخارجية بصورة جعلت الحالة الدولية تختلف نوعيا عما سبقها في الحقب الماضية. الرئيس الأميركي رونالد ريغان هو الأب الحقيقي لإقدام الولايات المتحدة على سياسة الهيمنة العالمية، التي بلغت أقصاها على يد الرئيس بوش الابن.
دافع الاحتلال السوفيتي لأفغانستان الحقيقي، هو الخوف من أصداء الثورة الإسلامية في إيران (1979)، أن تنتقل عبر أفغانستان إلى آسيا الوسطى السوفيتية. احتلال كوّن ضده تحالفا عريضا من فصائل جهادية، بدعم عربي وغربي أدى لطرد القوات السوفيتية، وساهم ضمن عوامل أخرى في إسقاط الاتحاد السوفيتي.
كان للعرب الأفغان وتنظيم القاعدة دور هام في ما جرى. وبعد جلاء القوات السوفييتية ظهرت حقيقتان: الأولى؛ عجز الفصائل الجهادية في إدارة أفغانستان واحترابها، مما أدى لظهور طالبان بدعم باكستاني ومباركة غربية.
الثانية؛ تماسك تنظيم القاعدة، الذي أكسبه فكره الجهادي وتكوينه الأممي طابعا خاصا.
كانت العلاقة بين القوى المتحالفة في أفغانستان تكتيكية. وبعد سقوط السوفيت اندفعت القاعدة بمنطقها الفكري في اتجاه: حررنا أفغانستان، فلنحرر بلاد العرب من الوجود العسكري الأجنبي.
لا طالبان ولا القاعدة صناعة أجنبية، فهما ينطويان على حماسة وطنية ودينية حقيقية، وقدما تضحيات غير مأجورة ولا مفتعلة. ولكن ما نالا من تدريب وتسليح وتمويل، كان لصيقا بالحرب الباردة الكونية، والحرب الباردة في جنوب آسيا.
كان المحافظون الجدد في أميركا يستعدون لقرن أميركي جديد، مهدوا له في عهد بوش الابن، وبعد أحداث 11/9/2001 وجدوا فرصتهم الذهبية. فكر المحافظين الجدد معطون في الهوس السياسي ومبالغاته، فارتكبوا أخطاءً جسيمة ساهمت في فوز أوباما.
لم يكن أوباما انتهازيا، بل يمثل رفضا حقيقيا لسياسات المحافظين الجدد وتدعمه قوى اجتماعية حقيقية. ولكن المؤسسة الحاكمة في أميركا فرضت عليه إلحاق عدد من الحرس القديم بإدارته، واللوبيات في الكونغرس ومطابخ الرأي العام دجّنته، لذلك صارت مواقفه مخيبة للآمال.
الدرس المستفاد من أفغانستان، والعراق، والصومال، أي مناطق التدخل العسكري الأميركي المباشر وغير المباشر، هو:
٭ تدخل قوات أجنبية في بلدان ذات هوية ثقافية مغايرة، يجعل مقاومتها تلقائيا حركة تحرير.
٭ ولاة الأمر في البلدان المعنية الذين يظهرون تحالفا مع التدخل الأجنبي، يخسرون الشرعية.
٭ اتجاه السياسة الأميركية لتحالف ظالم مع إسرائيل، وعدم التمييز بين مقاومة الاحتلال، وبين الإرهاب؛ ساهم في الخلط بينهما، وأعطى الإرهاب هالة المقاومة لدى كثيرين.
٭ تورط السياسة الأميركية في أعمال خارج القانون، مثل استخدام شركات خاصة تعمل دون التزام بقانون الحرب الحديث (بلاك ووتر)، حبس متهمين خارج شبكة القانون الأميركي (غوانتنامو)، توكيل دول مهدرة لحقوق الإنسان بتحقيقات ومحاكمات بالنيابة (الرندشن).. تصرفات قرّبت الموقف الأميركي أخلاقيا من مواقف الخارجين عن القانون.
تفكري في التعامل بين حكام كثير من عوالمنا في «الجنوب»، والدول الكبرى وما فيها من عدم الجدوى، أن أهم أسباب ذلك، هي؛ أنه أحيانا يقوم التعامل على قاعدة آمر ومأمور، وأحيانا على قاعدة المواجهة العدائية. وحيثما توجد درجة من الندية، يظهر أن النخب الحاكمة في عالم الجنوب تجهل حقيقة الأوضاع الدولية، وتتعامل معها قياسا على تعاملها مع قوى الداخل.
أما النخب الحاكمة في عالم الشمال، فوعيها بمشاكل مجتمعات الجنوب يركز على القضايا الأمنية والإغاثات الإنسانية، ويخفق تماما في الإحاطة بالعوامل السياسية والاجتماعية والثقافية.
لذلك صارت نتيجة التعامل بين مجموعتي النخب في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، والصومال، فاشلة تماما ومهدرة لمقاصدها.
أوباما الذي أسس سمعته على رفض سياسة بوش في العراق، يكاد يحاكيها في أفغانستان، حيث يظهر فشلها في: تمدد الحالة عبر الحدود لباكستان، وأن أعلى عدد للقتلى تحقق في عام 2009 (540 من الحلفاء منهم 340 أميركيا)، ارتفاع إنتاج الافيون الذي كان يساوي 85 طناً في 2001، وصار 8200 طن في 2007.
وها هو المسرح اليمني في الطريق. روت مجلة نيوزويك (11/1/2010) أن أوباما أجاز عمليات حربية مموهة في اليمن.
الأخطاء ذاتها يحصدها الطرف الآخر مكاسب.. قال كريستوفر ديكي: كلما زاد حجم العمل العسكري الأميركي المباشر أو عن طريق حلفاء محليين، زاد تجنيد جهاديين داخل أميركا نفسها، مثلاً؛ الضابط نضال حسن في معسكر تكساس قتل 13 شخصاً من زملائه في نوفمبر 2009، وقبله في يونيو قتل عبد الكريم مجاهد جندياً في اركنساس، وكلاهما قال إنه فعل ذلك مناهضة لأفعال أميركا العسكرية في بلاد المسلمين.
وفي سياق مماثل نشر روبرت بيب كتابا عن الاستقتال، قال فيه إنه درس كل الحالات ما بين 1980 و2001 وعددها 315، فوجدها تسع حالات: ضد وجود قوات أميركية وفرنسية في لبنان، وضد احتلال إسرائيل للضفة والقطاع، واحتجاجا على مكانة التاميل في سريلانكا، واحتجاجا على مكانة الأكراد في تركيا، ومكانة الشيشان في روسيا، ومكانة كشمير في الهند، ومكانة البنجاب، واحتلال أميركا للعراق.
وقال: كانت الأسباب واحدة «الاستقتال هدفه سياسي لمقاومة احتلال أجنبي، ولإحداث أكبر أثر نفسي وإعلامي في مجتمع القوات المحتلة. الأمر لا يتعلق بدين معين، بل بوضع سياسي معين هو الاحتلال».
الجهاديون طوروا أساليبهم من تكوين مركزي إلى كيانات منتسبة في مناطق كثيرة، إلى خلايا محلية ألهمها فكر القاعدة.
إن هذا الغلو والعنف المصاحب له خمسة أسباب، اثنان داخليان هما الاستبداد والظلم الاجتماعي، وثلاثة خارجية هي الاستيطان (إسرائيل)، والاحتلال، والاستعلاء الثقافي. هذه العوامل شحنت الشعوب بغضب وحزن حرق أحشاء كل نفس لديها إحساس بهوية وطنية، أو قومية، أو ثقافية، أو دينية، أو مجرد إحساس إنساني بالكرامة والعدالة.
لو أن أصحاب القرار يسمعون، لسمعوا كيف أن المبدعين من تشكيليين وشعراء عبروا عن إنذار مبكر بمشاعر هي الغذاء للغلو والاستقتال.
وإليك نماذج بسيطة من ديوان الغضب الذي جمعناه:
ـ عن الاستبداد:
تحدث عن الطقس إن شئت فأنت آمن
أو عن حبوب منع الحمل إن شئت فأنت آمن
هذا هو القانون في مزرعة الدواجن.. (نزار قباني)
ـ عن الظلم الاجتماعي:
مولاي لا تلم + الجوع الكافر
في هذا الزمن الكافر
أنا في صف الجوع الكافر
ما دام الصف الآخر يسجد من ثقل الأوزار.. (مظفر النواب)
ـ عن الاستيطان:
هرم الناس وكانوا يرضعون
عندما غنى المغني عائدون
وملايين اللحون.. في فضاء الجرح تغني
واليتامى من يتامى يولدون.. (أحمد مطر)
ـ عن الاحتلال:
كفكف دموعك وانصرف يا عنترة
فعيون عبلة أصبحت مستعمرة
لا ترج بسمة ثغرها يوما فقد
سقطت من العقد الثمين الجوهرة
قبّل سيوف الغاصبين ليصفحوا
واخفض جناح الخزي وارج المعذرة.. (مصطفى الجزار)
ـ عن ثقافة الاستعلاء والمجون:
وجعي ينزف في الملهى
ولا تسكت موسيقى الصباح
أنا لا زلت وأميركا كما كانت
تبيع الموت والحب بأكفان السلاح .. (كريم معتوق)
هذه هي مصادر توليد الغلو والعنف والإشادة بصناعهما كما قال نزار:
أنا مع الإرهاب
بكل ما أملك من شعر ومن نثر ومن أنياب
ما دام هذا العالم الجديد بين يدي قصاب
أنا مع الإرهاب
ما دام هذا العالم الجديد قد صنفنا من فئة الذباب!
هذه المشاعر الغاضبة وما تغذيه من غلو ومن عنف، تدغدغ المشاعر ولكنها لا تملك برنامجا بديلا، ولا خططا مجدية. وسوف تستمر هذه المساجلة العقيمة بين حركات استقتالية وآليات أمنية عسكرية، ما لم يدرك أصحاب القرار القُطري والدولي التشخيص الحقيقي للحالة، ويدركون أن التعامل مع الأعراض لا يجدي، ويستعدون لدفع استحقاقات التعامل مع الأسباب. أو أن الخوف من المصير الحالك يلهم قوى سياسية ذات سند شعبي معتبر، فتتصدى للقيادة في المنطقة بخطة تخاطب الأسباب، وتعمل على تغيير الواقع القُطْرِي، وتجد تجاوبا من قوى دولية مدركة أن لا سلام بلا عدالة.
فإن تخلفت هذه التوقعات، فإن المراشقة الظلامية بين الغلاة والغزاة المستمرة، هي الطوفان بعينه يا أمة نوح عليه السلام!
رئيس وزراء السودان السابق