انتشر في الإعلام هذه الأيام استخدام عبارة «الاستدامة»، للتعبير عن استدامة الفوائد والمنفعة في الأمور المختلفة، بينما الاستدامة اصطلاح خارج من علم الاستراتيجيا، ليعبر عن ذلك العمق التنافسي التخصصي الذي يصعب استنساخه من قبل الآخرين، مما يعطي تلك المؤسسة الاقتصادية أو الدولة حصة الأسد في ذلك السوق، ويؤدي إلى جني الأرباح/ الفوائد العالية والمتميزة. سنقوم هنا باستعراض مفهوم الاستدامة ونشأته واستصناعه في القطاعات الاقتصادية في دبي.
أحد أهم هذه الأمور التي يصعب استنساخها، هو الجانب الاجتماعي ومذهب العمل، فعلى مر السنين يشكلان تفاعلات إنسانيه وتقاليد حضارية تسبب ذلك النجاح، فإذا نقلنا رئيس مؤسسة اقتصادية ناجح إلى مؤسسة أخرى غير ناجحة، فالدراسات تشير إلى صعوبة تحقيق نجاحه السابق، بسبب عدم توفر ذلك العامل الحضاري الذي أتى منه، وفي الدول فإن هذا العامل الحضاري منطلق فلسفي نراه في الحكم، إما أن يكون «كل شيء مسموح ما عدى».. أو «كل شيء ممنوع ما عدى»..
ففي الأول تفتح الدولة أبوابها للعالم، وفي الثاني تغلقها (تشير الدراسات إلى أن الأول أكثر تقدما من الثاني). إن دبي جزيرة المسموح في بحر الممنوع، كل يود أن يلقي مرساه فيها، وهذا حقا قلب الاستدامة لدبي.
تشير نظرية التجارة الدولية في علم الاقتصاد إلى أن التجارة بين الدول تكون نتيجة الكفاءة في سعر البضائع، وهي تشكل العامل الأساسي في موقعها التنافسي التجاري بين الدول (الدولة ذات التكلفة العالية في القطاع الزراعي تقوم باستيراد المحاصيل الزراعية).
أما نظرية التنافس الاستراتيجي بين الدول، فتدعو للخروج من قوقعة التخصص إلى التميز في قطاع اقتصادي أو أكثر، ويأتي هذا من خلال استصناع خلايا اقتصادية تميزية، كالمدينة الطبية والمناطق الحرة، وهناك ما يأتي متراكبا ومتكاملا.
وقد شكلت حرية التجارة في دبي خلية الأساس الحقيقية لكل ما تبع ذلك من التميز، حيث أدت الزيادة في الحركة التجارية إلى الاستثمار المستمر في الطاقة الاستيعابية لموانئ دبي البحرية والجوية ومجمعات التخزين.
والذي عبر العقود أخذ زخما من الثقة والقوة جذب تجارة وتجار المنطقة إلى دبي وإعادة التصدير، وتكامل هذا بمركز دبي التجاري ليجعل منها مركزا لتجار العالم، يعرضون فيه بضائعهم لتجار المنطقة.
ولا ننسى هنا المساهمة الفعلية لقطاع السياحة وعلى رأسه طيران الإمارات، في استيعاب هذا الكم من الزوار. أما إذا أتينا إلى تجارة المفرق فحدث ولا حرج، فدبي تحتضن أكبر مراكز التسوق في العالم، واخيرا فدبي تشكل المقر الاقليمي للسواد الأعظم من الشركات الدولية العاملة في المنطقة، حيث لدبي حصة الأسد هنا.
فمن يستطيع أن ينسخ هذا الحجم الهائل في الخدمات والمعاملات التجارية؟ وهكذا تميزت دبي في قطاع التجارة لتشكل تلك الاستدامة.
ويلعب قطاع الضيافة دور استدامة استراتيجي هام لدبي، فهو يحتضن السياحة من طيران الإمارات إلى سيارات الأجرة التي يستخدمها السائح للتنقل، فيأتي السائح بمختلف الألوان والأشكال، وليس فقط للاستجمام. فهناك السائح التاجر والمتسوق والصحي والمستثمر و.. وهذا القطاع المركب من النقل الجوي والبري إلى المطاعم والفنادق، يأتي متكاملا مع القطاعات الأخرى.
في المؤسسات الاقتصادية هناك ما يسمى «الوفورات الداخلية» (حجم المؤسسة يعطيها القوة لأسعار أفضل)، أما الوفورات الخارجية فهي تلك التي تتمثل في الدولة أو المدينة، من خدمات صناعية وخدمية واجتماعية، فهذه العوامل هي التي تتميز بها دبي عن غيرها. وهذا ما أدى لاختيار الشركات الدولية دِبي كمركز اقليمي لها.
وهكذا تلعب الوفورات الخارجية دورا هاما في الاستدامة، وتشكل الوفورات الخارجية البنية التحتية اللازمة لنجاح قطاع معين عن آخر، وهذا ما يفسر الانسحاب في دبي من بعض القطاعات الاقتصادية التي تم طرحها، وتحول الأخرى إلى استثمارات عقارية.
إن العمق الاستراتيجي المستدام لدبي ذا طابع خدمي، فأي شيء ينبثق منه سيستمد قوته من الوفورات الخارجية حوله، بما فيها التكامل مع قطاعي التجارة والضيافة، ولهذا فان النجاح مرتقب لكلٍ من القطاع الطبي والمالي، وهذان القطاعان سيعطيان زخما جديدا لاقتصاد دبي.
فالأطباء والمستشارون القانونيون ومدراء المال، يحظون بدخول مرتفعة كما تحظى بها الغالبية من عملائهم (داخل وخارج الدولة)، ولهذا فانه من الضروري وضع مدينتي دبي الطبية والمالية على قائمة الاهتمام القصوى، ليس بين ليلة وضحاها، بل مسيرة بناء.
إن استصناع الاستدامة مقترن بالتميز الذي يتم استخراجه للوصول للنتائج المطلوبة، من خلال التعرف على خيارات متعددة تؤدي إلى تغير جذري في السوق، أو في هذه الحالة «القطاع الاقتصادي»، وهنا يأتي مفهوم التركيز على الهدف النهائي، ما الذي سيجعل من هذا القطاع متميزا ومن الصعب استنساخه؟
فاستصناع قطاع التعليم العالي يتطلب ذلك الهدف، أو بالأحرى صياغة النتائج المطلوبة، فهل هو بناء واستقطاب الكليات والجامعات والذي تم استنساخه من قبل الكثير، أم أن تكون دبي «مركزا للتميز العلمي والثقافي» في المنطقه؟ فاذا كان التميز هو الهدف النهائي، فالسؤال الذي يبحث عن جواب هو ماذا هناك في نهاية المطاف؟
الطرح هنا سيكون بين الارتباط الاكاديمي، والتكامل مع القطاعات الاقتصادية الأخرى التي يجعلها أكثر تميزا، وهذا يأتي عن طريق الأبحاث الاكاديمية للظواهر المحيطة بهذه القطاعات، وكيفية الارتقاء بها (التكامل بين قطاعات الحاضر وتعزيز ولادة قطاعات المستقبل)، بمعنى وجود مؤسسات تعليمية تقدم درجات الماجستير والدكتوراه.
فكلية إدارة الأعمال العليا تبحث في تطوير السوق، والشركات وكليات الدراسات العربية تبحث في الحضارة وعلوم الطيران والفضاء ومعلومات التكنولوجيا و.. كلها تصب في علوم المعرفة.
حاولنا هنا استعراض بعض الأمور لإعطاء تفسير موجز ومختصر، حول كيف وأين ومتى تكتسب دبي تلك الاستدامة والتميز، لتجعلها حقاً مركزا للجذب الحضاري والعلمي والمالي للعالم العربي.
كاتب إماراتي