مجلة الايكونوميست (كٍَُُيَُّّ) البريطانية، مجلة اقتصادية أسبوعية تعتبر أشهر المجلات الاقتصادية في العالم، وربما كانت أيضاً أقواها تأثيراً.
هي بلا شك مجلة يمينية، إذ تميل بشدة إلى الانتصار للنظام الرأسمالي، والدفاع عن سياسات ومواقف الولايات المتحدة، ومع هذا فلا يستطيع الاقتصاديون اليساريون تجاهلها لمجرد أنها تدافع عن عكس ما يؤمنون به.
فمقالات مجلة الايكونوميست لا تعوزها الفصاحة ولا العمق، وحججها قوية، وهي تدعم مواقفها بأرقام وإحصاءات محترمة. صحيح أن الأرقام والإحصاءات كثيراً ما يمكن استخدامها لتأييد موقف معين والموقف المعاكس له، على حسب الطريقة التي تختار بها إحصاءات دون غيرها، ولكن مجلة الايكونوميست لا تسيء استخدام الأرقام والإحصاءات أكثر مما يسيء اليساريون استخدامها.
لهذه الأسباب يعتبر الاطلاع على ما تنشره مجلة الايكونوميست من مقالات ومعلومات، مهماً للاقتصاديين والمهتمين بالشؤون العامة، أياً كان موقفهم الفكري، ليس فقط للتعرف على أحدث التطورات الاقتصادية في العالم، ولكن أيضاً للتعرف على أحدث «الموضات» الفكرية، أي على آخر صيحة في عالم الأفكار الاقتصادية والسياسية.
وقد اطلعت في عدد حديث من أعداد الايكونوميست (19 ديسمبر 2009) على مقالة مهمة في الدفاع عن النظام الرأسمالي، رأيت أن من المفيد للقارئ العربي أن يلم بمحتواها، سواء وافق عليه أو لم يوافق، إذ إنها تعبر عن تطور شيّق في مسلك أنصار الرأسمالية، لا بد أن كان من دوافعه حدوث الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة، التي وضعت النظام الرأسمالي من جديد في قفص الاتهام، وشجعت خصومه على صبّ اللعنات عليه مرة أخرى.
المعتاد في الدفاع عن النظام الرأسمالي تكرار الحجة القديمة التي قال بها آدم سميث منذ أكثر من قرنين، وهي ان ترك كل شخص حراً في اتخاذ قراراته الاقتصادية لا بد أن يسفر عن تحقيق مصلحة المجتمع ككل. فالإنسان مدفوع بالفطرة إلى السعي لتحقيق أقصى منفعة شخصية له، ولكنه أثناء هذا السعي لتحقيق مصالح أنانية يحقق، ويا للغرابة، مصلحة المجتمع في نفس الوقت.
وقد اشتهرت عبارة آدم سميث التي استخدمها للتعبير عن هذه الفكرة، إذ قال إن هذا الانسجام بين المصلحة الفردية ومصلحة المجتمع، يتحقق «كما لو كان الفرد مدفوعاً بيد خفية» (يًَّيَّيقٌم وفَل) لتحقيق شيء لم يكن يدور في ذهنه ولا يدخل في حسابه، وهو مصلحة المجتمع ككل.
هذه الحجة كثيراً ما تعرضت لاعتراض الاشتراكيين الذين دأبوا على تقديم أمثلة كثيرة لحالات اقتصادية، تتعارض فيها المصلحة الفردية مع مصلحة المجتمع. ففي حالات الاحتكار كثيراً ما تتعارض مصلحة المحتكر مع مصلحة المجتمع ككل:
المحتكر يفرض أسعاراً تتعارض مع مصلحة المستهلكين، ويدفع أجوراً أقل مما يستحقه العمال، بل ويحاول أحياناً أن يوجّه سياسة الدولة في اتجاهات تخدم هدفه في تحقيق أقصى الأرباح، ولو تعارض ذلك مع المصلحة العامة (كشن حرب مثلاً أو التهاون في تلويث البيئة... الخ).
لقد كان آدم سميث وأتباعه من الاقتصاديين، يفترضون وجود ما يسمى «المنافسة الحرة»، أي غياب الاحتكار. ولكن أين المنافسة الحرة الآن؟ في كل قطاعات الاقتصاد تختفي المنافسة شيئاً فشيئاً ليحل محلها الاحتكار، حتى الزراعة التي كانت الموطن الأساسي للمنافسة الحرة، أصبحت تخضع لشركات كبرى تنتج الجزء الأكبر من كثير من المحاصيل الزراعية، ولا تواجه في ما بينها منافسة حقيقية يمكن أن يستفيد منها مستهلكو هذه المحاصيل أو العاملون في زراعتها.
دأب المدافعون عن الرأسمالية على تجاهل هذه الاعتراضات، ولكنهم يضطرون إلى مواجهتها كلما وقعت أزمة من أزمات الرأسمالية، حيث يشتد عليها الهجوم، وتزداد المناداة بتدخل الدولة، والتذكير بأن مصلحة الرأسماليين كثيراً ما تتعارض مع مصلحة المجتمع.
حدث هذا، كما حدث عدة مرات من قبل، بمناسبة الأزمة المالية الاقتصادية الأخيرة التي واجهها العالم منذ خريف 2008، فاضطر المدافعون عن الرأسمالية إلى التصدي لهجوم جديد من أعدائها.
ولكنهم لجأوا هذه المرة إلى تغيير خطة الدفاع، فلم يكتفوا بالحجج الاقتصادية التقليدية، وأخذوا يقدمون حججاً بعضها جديد، وبعضها قديم يقدم في صورة جديدة، وكلها تتجاوز مجال الاقتصاد وتتعلق بمزايا «إنسانية»، دأب الاشتراكيون على اعتبارها من مزايا النظام الاشتراكي التي تتعارض مع جوهر النظام الرأسمالي. وهذا هو بالضبط ما تحاوله مقالة مجلة الايكونوميست التي أشرت إليها في بداية هذا المقال.
فبعكس المألوف في الحديث عن الرأسمالية من أنها تقوم على المنافسة وتقوي الميل إلى الصراع، يقول المقال إن الرأسمالية تنطوي على ممارسة فريدة لفضيلة التعاون (كُُِمْفُّيَُ).
فهي، أي الرأسمالية، تعتمد اعتماداً كبيراً على حثّ أعداد كبيرة من الناس (عمالاً وأرباب أعمال وحاملي أسهم وموردي مواد إنتاج) على العمل معاً لتحقيق هدف مشترك.
إن هذا العمل المشترك يتطلب من أفراد، هم في العادة غرباء عن بعضهم البعض، أن يثق كل منهم في الآخر، بل ويتطلب، أكثر فأكثر مع نمو العولمة الرأسمالية، أن تمتد هذه الثقة إلى خارج حدود الدولة، وإلى أفراد ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ومغايرة للثقافة التي قام فيها المشروع الرأسمالي ابتداءً.
ويذكّر هذا المقال القراء بأن كلمة شركة (كٍُِفَ؟) هي كلمة مشتقة من كلمتين لاتينيتين هما (كٍِّ) و(ِفَم)، وهما يعنيان أن يشترك أكثر من شخص في «اقتسام قطعة من الخبز»!
يقول كاتب المقال أيضاً إنه ليس صحيحاً ما يزعمه خصوم الرأسمالية، من أن الشركات العملاقة تزداد قوتها شيئاً فشيئاً حتى لتكاد تلتهم الدولة التي تقوم الشركة على أراضيها أو تمارس فيها نشاطها.
ويدلل على ذلك بأن من بين أكبر 500 شركة في الولايات المتحدة سنة 1980، لم يبق على قيد الحياة بعد عشرين عاماً (أي عند نهاية القرن) إلا 202 شركة، أي أقل من نصفها. فبعكس الزعم بأن الشركات تزداد سطوتها على الحياة الاجتماعية والسياسية شيئاً فشيئاً، يجد الكثير من الشركات الكبيرة صعوبة في مجرد البقاء على قيد الحياة.
المقال يتضمن إضافة شيقة لمحاولات الدفاع عن النظام الرأسمالي، ولكن لا بد أن نلاحظ أن هذه الحجج الجديدة ليس من الصعب الرد عليها. لا شك أن النظام الرأسمالي يعرف صوراً كثيرة من «التعاون» و«منح الثقة».
ولكن السؤال هو: تعاون وثقة من أجل تحقيق أي هدف؟ لا شك أيضاً أن كثيراً من الشركات يجد صعوبة في البقاء على قيد الحياة، في منافستها مع الشركات الأكبر والأقوى منها، ولكن هل هذا يقلل من أثر هذه الشركات الأكبر والأقوى على الحياة الاجتماعية والسياسية، أم يطلق أيديها أكثر فأكثر في تشكيل هذه الحياة على هواها؟
كاتب ومفكر مصري