«فرصة ليس أمام العالم خيار التفريط فيها»، بهذه الكلمات أشار رئيس الوزراء الدنمركي إلى أهمية قمة التغيرات المناخية التي ترعاها الأمم المتحدة في العاصمة الدنمركية كوبنهاغن، والتي انطلقت في السابع من ديسمبر الجاري وتستمر لمدة أسبوعين.

ففي كلمته الافتتاحية طالب وفود 192 دولة حضرت هذه القمة، بضرورة الخروج باتفاقية قوية وطموحة يحتاجها الجميع حول التغيرات المناخية، لتكون امتداداً أفضل لبروتوكولات كيوتو لعام 1997 التي ينتهي العمل بها عام 2012. ولأهمية هذه القمة في رسم معالم المستقبل، حضرها زهاء مئة رئيس دولة.

جميع العيون مسلطة على كوبنهاغن، فالقمة المنعقدة هناك قد تكون نقطة تحول في مسار التاريخ الإنساني، تحول من موقف العداء للبيئة والعمل على تطويعها وإخضاعها، إلى موقف الصداقة لها والتعايش معها، انتقال من اعتناق مفاهيم تتسم باحترام أداء القوة، إلى اعتناق مفاهيم تتسم باحترام أداء العقل.

مسؤولية التخفيف من انبعاث الغازات الدفيئة تقع على عاتق الجميع، ولكن بدرجات مختلفة إلى حد كبير. فمن غير التزام قوي وواضح من قبل الولايات المتحدة والصين، المسؤولتين معاً عن 40% من انبعاث الغازات الدفيئة، سيكون من الصعب جداً التوصل إلى اتفاقية في قمة كوبنهاغن.

تأتي هذه القمة في ظل ظروف أفضل كثيراً من الظروف التي رافقت لقاء كيوتو، فقد أعلن عدد من دول العالم، وضمنها أكبر المستهلكين للطاقة: الولايات المتحدة والصين والهند، عن برامج طموحة لتخفيض انبعاث الغازات الدفيئة، المرافقة لعملية حرق الفحم والنفط والغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية.

وقدمت الولايات المتحدة دعماً مميزاً لها، حين أعلنت إدارة الرئيس أوباما أن الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ينبغي أن تصنف على أنها من مسببات المخاطر الصحية.

ففي الوقت الذي كان الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة (طاقة الشمس، الرياح، المد والجزر، موجات البحر، طاقة المصبات المائية) ضئيلاً لا يكاد يذكر إبان انعقاد قمة كيوتو، فقد شهدت السنوات الأخيرة، منذ بدء الألفية الثالثة، تصاعداً متزايداً في الاهتمام بإحلال بدائل للطاقة، للمساعدة على تقليل انبعاث الغازات الدفيئة التي تسبب الاحتباس الحراري ومن ثم التغيرات المناخية.

وقد رافق هذا الاهتمام تزايد في المبالغ المستثمرة في مجال الطاقة المتجددة (شركات أو مشاريع) بشكل ملفت جداً للنظر. فبين عامي 2002 و2007، كانت نسب الزيادة سنوياً في المبالغ المستثمرة، حسب التقرير الذي صدر عن البرنامج البيئي للأمم المتحدة 2009، كالتالي: 25%، 29، 73، 54، 59.

إلا أن هذه النسبة قد انخفضت عام 2008 إلى 5% فقط، حيث ازدادت المبالغ المستثمرة فقط من 148 مليار دولار عام 2007 إلى 155 مليارا عام 2008، وذلك بسبب التراجع الاقتصادي جراء الأزمة المالية التي أرهقت ميزانيات معظم دول العالم.

فقد انخفض الاستثمار في النصف الثاني من عام 2008 بمقدار 17% عن نصفه الأول، وبمقدار 23% عن النصف الثاني للعام الذي سبقه. فالتمويل المتوافر حالياً، مع تدني مقاديره بسبب الصعوبات في توفير السيولة النقدية، يتم بحيطة وحذر شديدين من الجهات المقرضة، ويفرض قيوداً شديدة على المقترضين.

والحقيقة أن التراجع الاقتصادي وانعكاسه على تراجع الاستثمارات في مجال الطاقة النظيفة، يثير القلق الشديد لدى المنظمات الدولية التي تتابع باهتمام بالغ ما سوف يتمخض عن قمة كوبنهاغن. فهناك من يتحفظ على قدرة الدول التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، على تحقيق ما خططت له، حيث سبق لها أن أعلنت عن نواياها في التخفيف من انبعاث الغازات الدفيئة، وحددت أهدافاً طموحة لذلك.

أحد أبرز الخلافات بين أبرز صناع القرار في العالم، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، هو الموقف من البيئة، فقد أعلنت إدارة الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة تسعى إلى تخفيض انبعاث الغازات الدفيئة من أراضيها بمقدار 17% عام 2020، قياساً إلى ما كان عليه مستوى الانبعاث عام 2005.

وهذا المقدار إذا تم قياسه وفق ما اعتمده الاتحاد الأوروبي، وهو مستوى الانبعاث في عام 1990، سوف لن يزيد عن 4% فقط. وهذا يكشف التفوق الأوروبي في مجال الحرص على البيئة، فقد وضع الاتحاد الأوروبي هدف تقليص الانبعاث بمقدار 20% في عام 2020، قياساً إلى وضع الانبعاث عام 1990.

ولأجل التخفيف من تأثيرات الأزمة المالية العالمية على مستقبل الطاقة المتجددة، وتشجيعاً لرؤوس الأموال ودفعها للاستثمار في هذه الطاقة، أعلنت مجموعة العشرين عن تخصيصها مبلغ ثلاثة مليارات دولار، أي ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي لدولها عام 2009 و5,1% من هذا الناتج لعام 2010، للاستثمار في مجالات هذه الطاقة.

ومع أن الأزمة المالية العالمية قد تراجع تأثيرها إلى حد ما، لا تزال هناك حاجة إلى وضع سياسات مناسبة للانتقال إلى الطاقة النظيفة. فالصناعيون يبحثون عن آليات دعم وإسناد مصممة بشكل متقن لملاءمة الوضع، في هذا المكان أو ذاك، لمستوى التقدم التكنولوجي لكل قطاع من قطاعات هذه الطاقة.

أما القطاعات المتقدمة إلى درجة قريبة، في الأداء وفي الكلفة، من مصادر الطاقة التقليدية، فهي بحاجة إلى دعم مالي يساعدها على تخطي هذه الفجوة، لإكسابها ميزة تنافسية في أسواق الطاقة. أما تقنيات الطاقة المتجددة التي تعمل بشكل ناجح في المختبر، في تطبيقات ذات حجم صغير وبإشراف دقيق من الباحثين، والتي قد لا تكون كذلك خارجه، فهي بحاجة إلى دعم مالي أكبر لتحويلها إلى مشاريع تجارية مربحة.

في حين أن القطاعات التي قد تكون واعدة على الأمد الطويل، بحاجة إلى دعم مالي لتكثيف البحث العلمي في محاورها، لتحويل ما هو واعد إلى ما منتج.

ولأجل إيقاف الزيادة في انبعاث الغازات الدفيئة في العام 2020، ينبغي أن يصل حجم الاستثمار في الطاقة المتجددة إلى نصف تريليون دولار سنوياً. وبعمليات حسابية بسيطة، وتأسيساً على حجم الاستثمار عام 2008 البالغ 155 مليار دولار، نجد أن الوصول إلى الرقم المطلوب يتطلب زيادة سنوية في حجم الاستثمار لا تقل عن 10%.

تتميز اللقاءات التي تكون البيئة وسلامتها على رأس أجندتها، بميزة هامة، وهي أنها لقاءات للسلام والتقارب بين الأمم، شعوباً وحكومات. فالعناية بالبيئة والحرص على ثوابتها وإدامة اتزانها عبر تفهم وتفاهم، لا ينبثق إلا من مشتركات في المشاعر والمصالح.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae