كاد الانهيار المالي العالمي الثاني، أن يطيح بالنظام الاقتصادي والمالي العالمي كما نعرفه، مُدخلا بذلك العالم في سبات الفقر والبطالة التي لم يشهدها منذ الانهيار المالي العالمي الأول عام 1929.
حيث كان الخطأ حينئذ يكمن في عدم ضخ السيولة المالية من قبل البنوك المركزية وحكوماتها، مما لقنها درسا لم تنسه. ولما حلت بها الأزمة المالية الحالية، ما كان لها، بزعامة الولايات المتحدة، إلا أن أغرقت الاقتصاديات حول العالم بالسيولة المالية، في خطوة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، لتلافي عواقب هذا الانهيار. سنحاول هنا التطرق لبعض الأسباب التي تؤدي إلى إثارة هذه الانهيارات، وتلك التي تخفف من انعكاساتها.
تفيد النظرية النقدية بأن الاقتصاد مكون من بضائع وخدمات (سلع)، وحجم الاقتصاد مرهون بكمية تداول هذه السلع المقترن بسعرها أو بما يعادلها، في الجانب الآخر، بكمية المال في الاقتصاد، مقترناً بمضروب دوران هذه الأموال في الاقتصاد (المضروب المالي)، وهكذا... وفي تفسير مبسط، فلتعويض الانحسار الحاد في كل من الأسعار والمضروب المالي، أتى هذا الكم الهائل من السيولة في الاقتصاد الأميركي والعالمي.
إن الاستنباط الرئيس من الانهيارين، يكمن في المفاجأة والسرعة في الانخفاض الحاد للأسعار (الثروة)، ويكون مرادفا لارتفاع غير طبيعي في أسعار الأدوات الاستثمارية، وعادة ما نشهد هذا السلوك التصحيحي الناجم عن الفقاعات الاقتصادية، كفقاعة الأسهم أو العقارات، بين الفنية والأخرى في كثير من الدول، أما إذا أحاط هذا التصحيح بالعالم فإنه انهيار أو أزمة مالية واقتصادية عالمية.
إنني، كالكثير من المفكرين والمحللين الاقتصاديين، نرى أن هذا الضخ الهائل كان لا بد منه، ولكنه في نفس الوقت يشكل خطورة إشعال أزمة مالية عالمية ثالثة، إن لم يتم تداركها والمحاولة لتحجيم أضرارها.
فالدواء المستخدم لمعالجة الأزمة العالمية الحالية ذو حدين، فهو فقاعة في بطن أخرى وربما أكبر منها، فالأرقام الإيجابية التي سجلها الاقتصاد الأميركي مؤخرا، في الغالب تشكل طفحا اقتصاديا، وليس نموا حقيقيا.
إن ضخ هذا الكم الهائل من الأموال الذي تم في الاقتصاد الأميركي، والمقترن بعجز مدمن ومتنامٍ في الميزانية الأميركية، سيؤدي إلى إشعال التضخم في الأسعار وارتفاعها بشكل غير طبيعي، ولعلاجه فإنه سيتطلب آليات صارمة، منها رفع سعر الفائدة إلى درجات عالية. وبما أن أسعار الأدوات الاستثمارية المالية أو العقارية حالياً مسعرة تناسباً مع سعر الفائدة السائد، وإذا ما ارتفع سعر الفائدة إلى 15% أو 20% أو أكثر، فإنه سيسبب تآكلا في القيمة الحقيقية للثروة.
وعلى الرغم من عدم القيام بأي عمل يخالف المفهوم العام للاستثمار المتحفظ، إلا أن الكثيرين رأوا قيمة ثروتهم تهبط أكثر من 40% في هذه الأزمة، وحتى الصناديق السيادية لم تسلم من ذلك (وهناك من تحطم).
ولتجنب تكرار هذه المخاطرة، فإننا نرى في أسواق السلع والمعادن هلعا نحو الاستثمار في هذه الآليات، للمحافظة على قيمة ثروتهم، كما نراه في هذا التزايد الخيالي لأسعارها (الذهب والنفط و..). ومن يبرر هذا الارتفاع بأن مرتبط بنزول قيمة الدولار، فتناسبيا هذه المقولة مردودة، وما هذا إلا فقاعة في طور النضوج. إذاً نحن ما أن نخرج مما نحن فيه من أزمة مالية، حتى نجد أمامنا فقاعتان ماليتان عالميتان يتوجب الاستعداد لهما.
لقد تأثر الكثير من دول العالم بالأزمة العالمية الحالية، وإن كان هناك من هم أقل تأثرا، كالدول المصدرة للنفط أو تلك التي لديها صناديق سيادية، وكانت دولة الإمارات مثالا يحتذى به، ما يجعل تمتين هذا المسار خيارا استراتيجيا للدولة، ولها باع طويل فيه وكوادر وطنية بأعلى المهارات.
هذه الأزمة علمتنا أن التغيير منهجية لازمة من أول وهلة، والتلكؤ في الاعتراف بها من قبل الحكومات له مخاطره، إذ يفترض أن تتعامل تلك الحكومات بحكمة عندما ترى أن المضاربات في الأسهم والعقارات وعائداتها الخيالية شيء غير حقيقي وليس بالطبيعي، يستفيد منه القليل (وهناك من يطالبون بتفسير حول هذا الإثراء المفاجئ والفاحش لزمرة من الموظفين) ويخسر فيه الكثير ويدفع الاقتصاد ثمنه.
لقد خذلتنا حكومات العالم في هذا مرارا وتكرارا، وما زالت تفعل ذلك! أشارت الأبحاث إلى أن 74% من الفقاعات المالية يمكن توقع انفجارها قبل 3 سنوات من حدوثه، وذلك باتباع مؤشر الفارق في النمو الائتماني عندما يتعدى نسبة 5% عن معدل النمو في الدخل القومي، وهناك أمور تقنية بحتة كالمؤشرات الفنية، وهناك أمور هيكلية كالتحكم في مستوى التضخم والحد من العجز في ميزانية الدولة.
يفرض حجم الاقتصاد الأميركي نفسه على اقتصاديات العالم، فالأزمات المالية والاقتصادية التي تشهدها أميركا من فترة لأخرى، تطال اقتصاديات دول العالم شاءت أم أبت.
أما البروفسور روبيني والملقب «دكتور الدمار»، والذي تنبأ بالدمار الاقتصادي العالمي، فيرى أن هناك مؤشرات توحي بتحسن الاقتصاد الأميركي في نهاية هذه السنة، ولكن الإشكال يكمن في السياسة المالية الأميركية، فإذا قامت بوقف ضخ الأموال سيتجه الاقتصاد الأميركي نحو انكماش آخر، وإذا استمرت فسيكون نتاجها التضخم، وهكذا فإنه من الطبيعي أن نستنتج أن الاقتصاد العالمي ما زال في وضع حرج.
ولذلك فإن السؤال ليس كيف سنخرج من هذه الأزمة، وإنما كيف سنتعامل مع الأزمات القادمة؟!
كاتب إماراتي