تطورت ظاهرة القرصنة البحرية بشكل ملحوظ بات يهدد الملاحة البحرية حول شواطئ إفريقيا، ويتوقع المراقبون أن يمتد نشاط القرصنة البحرية إلى مناطق أخرى، الأمر الذي سيشكل تهديدا كبيرا للملاحة والتجارة البحرية الدولية، وأصبح الجدل يثور والأسئلة تتوالى حول هذه الظاهرة في كل مكان، وخاصة حول وجود جهات دولية وراء القراصنة وأنشطتهم، واستخدام القرصنة لأهداف سياسية، حيث إنه ثبت وجود إمكانيات وخطط وأسلحة لدى القراصنة، أكبر بكثير من إمكانيات الدول التي ينتمون إليها.

وإذا استعرضنا هذه الظاهرة منذ بدايتها، سنتذكر ما حدث في الثاني عشر من نوفمبر 2008، عندما تمكنت سفينة الحراسة الروسية «نيوستراشيمي» بمساعدة فرقاطة «كمبرلاند» البريطانية، من إحباط هجوم للقراصنة على السفينة الدانماركية «باورفول»، مما يعد أول مشهد في العملية التي يقوم بها الأسطول الحربي الروسي، لضمان أمن وسلامة الملاحة البحرية قبالة السواحل الصومالية، واعتقدنا آنذاك أن تدخل روسيا وبريطانيا وغيرهما من الدول الكبيرة سيحسم هذه القضية سريعا.

ولكن كانت المفاجأة أن رد فعل القراصنة كان أكبر، وأن عملياتهم زادت بشكل ملحوظ، رغم أن السفن التابعة للأسطول البحري الحربي الروسي قامت خلال العام بعدة مهمات في خليج عدن، بهدف ضمان أمن الملاحة في المنطقة.

وقد مرت عشرات القافلات في المياه الخطرة، برفقة سفن تبحر تحت علم الأسطول الروسي. وعلاوة على السفن الروسية، فإن القوات البحرية الحربية لدول عديدة أخرى، لها حضور في منطقة القرن الأفريقي، ومنها الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، والهند والصين... الخ، إلا أن جهودها لا تأتي بالنتائج المرجوة.

لقد شهد النصف الأول من عام 2009 الحالي، 146 محاولة هجوم للقراصنة الذين استولوا على 32 سفينة، ليتضاعف بذلك نشاط القراصنة الصوماليين مقارنة بنفس الفترة من عام 2008.

كما يُلاحظ توسع نطاق نشاط القراصنة، حيث يقومون بالاستيلاء على السفن في المحيط المفتوح، على بعد مئات الأميال من الساحل، ثم يقودونها إلى القواعد التابعة لهم على الساحل، مستخدمين الرهائن كدروع بشرية. لذا تتسم عملية تحرير الرهائن على متن السفن المستولى عليها، بمعدلات مخاطرة عالية، مما يسمح للقراصنة بتجنب تدخل وحدات من القوات الخاصة.

وهناك رأي سائد يرى أصحابه أن أسباب الفشل في مكافحة القراصنة، تكمن في عدم تسوية مشكلة الفقر السائد في الصومال، وغياب اقتصاد فعال في بلد يعيش حربا أهلية. هذا الرأي الذي يسند القرصنة إلى فقر وتخلف دول مثل الصومال، يغفل في نفس الوقت العوامل السياسية والاستراتيجية الهامة في القارة السوداء.

حيث تجدر الإشارة هنا إلى أن التهديد الصادر عن القراصنة، ليس سوى أحد التحديات في المنطقة. فبلد فقير يعيش حربا أهلية، يعد تربة خصبة لنشاط التنظيمات الإرهابية. وهناك فروع لتنظيم «القاعدة» في الصومال تسعى لجذب شبان يتخذون مواقف راديكالية.

كما لا أحد ينكر صراعات القوى العالمية على فرض النفوذ والهيمنة في هذه المنطقة من العالم، الأمر الذي يجعل الكثيرين يشكون في وجود دعم لجماعات القراصنة من قبل بعض الدول. والجدير بالذكر أيضا أن نشاط القراصنة والإرهابيين لا يقتصر على الصومال، بل تعاني مناطق أخرى في إفريقيا أيضا من مشاكل من هذا القبيل. فمنطقة خليج غينيا على وجه التحديد، تشهد نشاطاً عالياً للقراصنة.

وكذلك الحال مع النشاط الإرهابي، حيث تشن الجماعات الإسلامية المتطرفة هجمات إرهابية في الجزائر وغيرها من دول إفريقيا الشمالية والغربية، بصفة منتظمة. ومع ذلك، فإن الوضع في الصومال يبدو أصعب من غيرها من الدول، نظرا لغياب سلطة قادرة على السيطرة على الجزء الأكبر من البلاد ومكافحة التنظيمات المسلحة غير الشرعية.

هذا الوضع يطرح المزيد من التساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على مواجهة ظاهرة القرصنة، والأمر يحتاج لإمكانيات عسكرية دولية كبيرة، والولايات المتحدة وحلفاؤها يرفضون المشاركة لأنهم مشغولون بقواتهم في مناطق أخرى، مما يقتضي تدخلا من الأمم المتحدة وعملا مشتركا بين دول أخرى، مثل روسيا والصين والهند وغيرها من الدول غير المشغولة بنزاعات في مناطق أخرى.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru