تشهد دولة الإمارات تحركا دبلوماسيا واسع النطاق، حيث ابتدأ هذا التحرك بتولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئاسة الوزراء وإعادة هيكلة وزارة الخارجية. ولقد أصبح العالم أكبر من وصفه بكلمات.. وتشكل المعايير العسكرية والديمغرافية والاقتصادية والمساحة الجغرافية، الإطار العام لقوة الدولة، وهناك معايير غير ملموسة تصب في هذه القوة، ومنها التماسك والوفاق في المجتمع، والالتفاف الشعبي حول الحكومة، والمهارة الدبلوماسية...
ولقد أصبحت المصالح الدولية المتنامية لدولة الإمارات تأخذ طابعا جديدا يتطلب نظرة حول مفهوم القوة السياسية، في ظل العلاقات الدولية ومعطيات التعامل معها في القرن 21. كان القرن العشرون قصيراً جداً، إذ إنه بدأ مع ولادة الإمبراطورية السوفييتية عام 1917 ونتائجها الايديولوجية، وانتهى بنهايتها عام 1991، وهناك من المحللين من يقول بأن عام 1991 كان نهاية ثلاثة قرون تميزت «بالتقدم والنظام»، وكان العالم دوماً يعثر على توازنه بمساعدة الامبرياليات والترتيبات الدولية.
هذه الحلقة انتهت بنهاية الإمبراطورية السوفييتية والصدمة التي أحدثها هذا الانهيار، والذي أدى إلى الفوضى وعدم الاستقرار العالمي في ظل الأحادية القطبية، فليست هناك مصلحه لأحد في الفوضى الدولية وفي غياب نظام دولي معين، ضمن منتظم تدخل فيه الدول وإن اختلفت في السياسات والرؤى، وسنستمر في هذا الطرح بمقتطفات من كتاب لغسان العزي صدر عام 2000.
كان من نتاج الحرب العالمية الثانية بروز المدرسة الواقعية والتي تأصلت في الولايات المتحدة الأميركية، ومبدؤها توازن القوى ولعبة الأنانية والسلطة لتحقيق أطماع الدول في العلاقات الدولية، وقد لاحظ أساتذة هذه المدرسة أن المجتمع الدولي تحول إلى ساحة سباق نحو القوة دون اعتبار للمبادئ الأخلاقية والمثالية، ورأوا أن توازن القوى هو الوسيلة الممكنة لتحقيق شيء من العدالة والتخفيف من حدة لعبة الأنانية والسلطة، رغم أن هذا المبدأ متغير وغير مستقر ويعجز عن منع النزاعات المسلحة بين الدول.
وما دامت هذه المدرسة سائدة وفي ظل الأحادية القطبية فسنستمر في معايشة الأحداث الدامية في عالم تتناطح فيه الدول، أو بعبارة أخرى هذا يركب ظهر دولة ليصل إلى ظهر دولة أخرى، أو كما تعرف القوة بأنها التأثير على الغير بالكيفية التي تخدم الدولة الممتلكة للقوه، أو المشاركة في صنع القرار في الدولة الأخرى، أو مزيج من كلا التعريفين.
وقد أنهى النقاش جورج فريدمان 2009 بأن أميركا هي الدولة العظمى فائقة القوة في القرن 21، ويقرن تلك القوة بأن من يستطيع أن يسيطر على المحيطات يسيطر على النظام التجاري الدولي (أكثر من 70% من التجارة الدولية تستخدم النقل البحري)، وليس هناك من دولة غير أميركا تستطيع تحمل التكلفة الباهظة لتطوير وتشغيل هذه الأساطيل، التي تجول وتصول حسب إرادتها وكيف وأينما تشاء في بحور العالم.
وهكذا فإن واقع القوة العسكرية سيكون محتكرا لأميركا، أما الدول النافذة الأخرى فهي من الدرجة الثانية عسكريا، وعليه تبرز هنا المعايير غير الملموسة لبناء قوة الدولة، كالتحالفات والاقتصاد القومي والمهارة الدبلوماسية.. يتضمن المفهوم العام لمعايير قوة الدولة، المهارة الدبلوماسية والتي كما تعرف، تقوم بخدمة طموح معين أو لمواجهة تهديد معين، أو تلك الهادفة لتأمين ودعم الاستقرار في منطقه معينة. أما التحالفات فهي وسيلة تلجأ إليها الدول الصغيرة لتحمي نفسها، أو وسيلة تلجأ لها الدول القوية لبسط سيطرتها على منطقه أو مجموعة من الدول.
وأنا أرى هنا أن الدبلوماسية لها قدرة كبيرة في تعظيم أهداف وطموحات الدول، سواء على مستوى السياسة الخارجية لدولة أو علاقاتها الدولية، فبها الصغير يهيمن والكبير يضمر، ولعدم وجود مقياس واحد لقوة الدول فإنه من الطبيعي أن يرتبط بمدى تحقيق طموحاتها، وهنا تبرز الدبلوماسية كإحدى الآليات المكملة لتحقيق ذلك.
على سبيل المثال والتشابه، يتميز الموظف للرقي في منصبه وينال علاوته، والمؤسسات ترقى بمكانتها في السوق لتزيد من ربحيتها وهذا يصب في إمكانيتها وقوتها التجارية، والدولة ترقى بمركزها بين الدول ليصب في مصلحتها الوطنية، كما تصب أرباح هذه المؤسسات في اقتصاد وقوة الدولة السياسية.
ونحن في دولة الإمارات لدينا مؤسسات تمتلك أو تدير الموانئ البحرية والجوية وشركات الاتصالات والكثير من المؤسسات الاستراتيجية في الدول الأخرى، ومؤخراً شمل ذلك نوادي كرة القدم أيضاً.. لقد أصبح التواجد العالمي لمصالح الدولة لا تغيب عنه الشمس، وهذا ما هو إلا تعبير عن معايير هذه القوة المتنامية لدولة الإمارات في القرن 21، والتي تجعل منها لاعبا دوليا وتفرض فيه نفسها كأكبر اقتصاد في العالم العربي.
أصبحت الإمارات جزءاً فاعلا في العولمة، تأخذ وتعطي في إطار العلاقات الدولية، وقد ساهمت العولمة في تمتين الترابط بين اقتصادات الدول النافذة في «القرية الكونية» إلى درجة لا انفكاك منها، وباتت المصلحة في الازدهار والرفاه مشتركة رغم احتدام التنافس والسباق الدولي.
وعلى الرغم من ذلك سيبقى الصراع والسباق نحو المزيد من القوة والقدرة قائما بين الدول، كما كانت الحالة بالأمس وقبله وعبر التاريخ، وهذا ما سوف تتعامل وتتفاعل معه دولة الإمارات في القرن 21.
وأخيراً، يبدو أن العالم يتجه إلى نظام تحكمه الدبلوماسية متعددة الأطراف، وأقطاب تدور حول كل منها مجموعة من الدول، أو لنقل معسكرات متنافسة، اقتصاديا وسياسيا، وليس عسكريا بالضرورة. هكذا أنهى غسان العزي كتابه، وهذا ما أتوقع أن تقوم به الدبلوماسية الإماراتية في القرن 21.
كاتب إماراتي