يعاني الكثير من العلاقات الإنسانية حالات من المد والجزر، الاقتراب والابتعاد، وفي بعض الأحيان ربما تبلغ ـ سلبا ـ ما هو أكثر من ذلك، بما يمكن أن يصل حد النفور والجفاء والفتور... والقائمة تطول.
هناك معدل طبيعي تحوم حوله هذه العلاقات التي يستحيل أن تحافظ على مستوى واحد طيلة الوقت، فهي تصعد حينا وتهبط حينا آخر، تقترب الأطراف من بعضها مرة، وتبتعد عن بعضها مرة، كل ذلك ضمن معدل طبيعي لا يشعر أي أحد بالقلق حياله.
ما أقصده هنا هو ما يتجاوز هذا المعدل الطبيعي، وهي الحالات التي تصبح مصدر قلق لنا، وباعث ضيق في نفوسنا، التي ضاقت بما تضمه أساسا بين ضلوعها من الهموم اليومية المتزايدة التي تنخر في طمأنينتنا وسكينة أرواحنا يومًا بعد يوم، حتى أصبحنا كائنات هشة لا تستطيع مقاومة أدنى مؤثر خارجي يمر بها.
مثل هذه الحالات لم نعد نلمسها بين الأزواج أو الأصدقاء فقط، بل أصبحنا نجدها في بعض علاقات الأبناء بوالديهم، أو بأهلهم المقربين، كالعم أو العمة، والخال أو الخالة، والجد أو الجدة، وغيرهم، كما نجدها بين بعض الطلاب وبعض معلميهم، وفي أزقة حاراتنا صرنا نشعر بحضورها بين الجيران الذين نطلق عليهم اسم (جيران) على سبيل المجاز، في حين أن كل بيت أصبح شبه معزول عن بقية البيوت المحيطة به، لا يكاد يعرف جار من أخبار جاره أكثر مما يعرفه أي شخص يقطن خارج الحارة نفسها.
أصبح الجفاء يعشش في زوايا أرواحنا، وفتور التحية الصباحية أو المسائية أصبح أمرا طبيعيا، كل التحايا أصبحت تُؤدى من باب الواجب أو من باب المجاملة عند من لا يزال في نفوسهم شيء من الاهتمام بمشاعر الآخرين، حتى إن كانوا لا يرغبون في التواصل أو في إلقاء التحية، أو في التفوّه بكلمة واحدة في أي وقت أو أي ظرف.
أصبح عكر المزاج أمرا شائعا أيضا، ومما يثير العجب أن عكر الأمزجة أصبح منتشرا بين الأطفال ربما أكثر منا نحن الكبار، وهذا ما ألاحظه كثيرا عند أطفال لا روابط أسرية تجمع بينهم، كي لا يُعزى الأمر إلى الوراثة أو الجينات أو ما شابه ذلك. هناك ميل شبه عام إلى التجهم وعقد الحواجب.
والكلام أصبح أكثر اختصارا، والرغبة في التواصل مع الآخرين في تراجع لم نكن نشعر به قبل عقد مثلا، بل إن الشخص الذي كان ميالا للعصبية أو التجهم كان موضع استنكار المحيطين به، وربما موضع سخرية بعضهم، لأن الحياة أسرع من أن يقضيها شخص في الغضب والضيق والانطواء والجفاء.
هل أصبحت أرواحنا ثقيلة إلى هذا الحد؟ ما الذي أثقلها، أو ما الذي يثقلها في كل لحظة؟ وما الذي يزيدها ثقلا يوما بعد يوم، حتى ضاقت الصدور بها؟ ما الذي أوصلنا إلى الدرجة التي يجد بعضنا صعوبة في التواصل مع بعضنا الآخر؟
أو حتى في التصدق بابتسامة، وأحيانا قد يقوم بعضنا بتغيير مساره من جهة إلى جهة كي يصل إلى المكان الذي يريده مع أقل احتكاك بالناس، وقد يحرم بعضنا على نفسه الذهاب إلى مكان ما لأنه يريد أن يتجنب رؤية الأشخاص الذين يعرف أنهم سيكونون موجودين في المكان ذاته، ليس لأنه لا يحبهم أو لأنه يتضايق من رؤيتهم، بل لأنه لا يرغب في رؤية أحد أيا كان. ولا أظن أن قارئا سينكر أنه يقوم بذلك أحيانا، بل أكاد أجزم أن كثيرين يقومون به في معظم الأحيان.
حين أفكر في مثل هذا الموضوع لا أملك السيطرة على مشاعري المتجهة بسلبية إلى القالب المادي الذي تقولبنا فيه، ونسينا أننا كائنات حية لها أرواح يجب أن تهتم بها وتغذيها، وأن غذاء هذه الأرواح لا علاقة له بدرجة الرفاهية المادية، لأن الرفاهية الروحية لها أدوات أخرى تحققها، نسيناها في غمرة انشغالنا برفاهيتنا المادية. ولا أعرف إن كان جيلنا ـ نحن ـ مشاركا في ذلك أو ضحية، ليست لدي القدرة على تحديد ذلك، ولا يهمني أن أعرفه الآن إذ لن يفيد كثيرا في تجاوز هذه الحالة.
لكني أعرف أن قدرتنا على الإحساس بالمشكلة في حد ذاتها أمر إيجابي، وقد يكون قاعدة جيدة ننطلق منها في التعرف إلى كيفيات تجاوز ما نحن فيه، والوصول إلى نقطة تتحقق فيها رفاهية أرواحنا، أو على الأقل نصل إلى نقطة توفر لنا قدرا جيدا جدا من راحة الروح.
جامعة الإمارات