لا يأتي العيد دون الحناء والموسيقى والعيدية والحلوى، وهل العيد إلا لحظة موسيقى تفوح برائحة الحناء، لها مذاق الحلوى، وفرحة العيدية؟
كتبتُ هذه السطور بعد أن أُعلن رسميًا عن رؤية هلال العيد..
لا أعرف كم سنة عدت إلى الوراء في تلك اللحظة.. تركت كل ما بيدي، وجلست أراقب ردود الفعل حولي، من راقب الناس مات همًا، أدرك هذا جيداً.. لم أكن أراقب بالمعنى الدقيق، لكني كنت أتعرف على طريقة كل شخص في استقبال نبأ هذه الليلة، وتفاعله معها، ولم أشعر بنفسي إلا وقد انشغلت بنفسي، وأخذت أتذكر ليالي العيد قديمًا.
المقارنة صعبة جدا، فيها ظلم للزمنين، ولكني بطبيعتي أحنّ للقديم، بكل ما فيه، وأرى مذاقه مختلفًا، وأجواءه شديدة القرب من نفسي؛ فكيف لا أذكر الزمن الذي أحب، في الليلة التي أحب. كنت أحاول أن أعرف إلى أي حد يشبه العيد هذه الأيام عيدنا في تلك الأيام، منذ عقدين أو ثلاثة مثلا!
هل يحق لنا أن نقارن بين ما كان ـ في الماضي ـ وما هو كائن ـ في الحاضر ـ؟ لن أبحث طويلا عند إجابة هذا السؤال الذي لا يبدو لي مبررًا أساسًا، وسأعود بذاكرتي إلى تلك الأيام العذبة، التي أشعر أنها مرت كحلم، كأنني لست التي عشتها، كأنها ليست جزءًا مني.. وسأتوقف في هذه السطور عند ليلة العيد التي كانت تفوح برائحة الحناء، الحناء الطبيعية التي كنا نفرح بها في أيدينا الصغيرة، مع أنها كانت عبارة عن دائرة في وسط باطن الكف.
أو بمقدار قبضة نطبق عليها أناملنا الصغيرة بحرص خشية أن تتسلل ليلا ونحن نائمات، مع أنها كانت تُلف بشكل جيد بقطعة قماش تُقص خصيصًا من أجل هذه المهمة، طبعًا للحفاظ على الفرش والأسرَّة وأغطيتها، ولكنا كنا نعتقد أنها لتمنع الحناء من الهرب ليلا، ويأتي صباح العيد دون حناء، وهل يكون العيد عيدًا إن لم تكن أيدينا مخضبة بالحناء فيه؟ وهل يكون العيد عيدًا إن لم تعطر أجواؤه روائحُ الحناء في الأيدي والأقدام؟
أذكر الفترة التي بدأنا فيها التعرف إلى الأدوية التي تُخلَط مع الحناء لتكسبها لونها المعروف الآن في وقت قياسي، بحيث لا نحتاج للاحتفاظ بالحناء ليلة كاملة، مع احتمال أن يكون لونها أحمر جميلا أو لا يكون، فنقضي أول أيام العيد ونحن في حالة ضيق وكدر بسبب خذلان الحناء لنا، واكتفائها بأن تكون صفراء أو برتقالية، وهو أقسى عقاب غير مقصود من الممكن أن يوقعه أحد علينا في مثل ذلك اليوم.
كنا سعيدات جدا بالتعرف إلى تلك الأدوية، لأنها تجعلنا أكثر ثقة بخصوص لون الحناء.. لكنها أعطت الحناء لونًا، وسرقت منها رائحتها الطبيعية.. تلك الرائحة التي كنت أتضايق منها وأنا صغيرة فتقول لي أمي إنه ورق الجنة، فأحاول أن أبرمج نفسي على تقبلها.. سرقت منا تلك الأدويةُ قلقَنا وترقبَنا، سرقت «بطيختنا» التي كنا نجازف في يومنا الأهم في حياتنا بوضعها في أيدينا في حالة من الفرح والترقب.. كل ذلك تغير.. اشترينا اللون بثمن غال جدًا.. ولا تنفع الآن المقايضة..
في ذلك الوقت أيضًا، لم نكن نشغل أنفسنا بالنقش كما هو معروف الآن، ولم نكن نرهق تفكيرنا بآخر الصيحات، وفي أغلب الظن أن مفهوم الصيحات لم يكن معروفًا حينها لا على مستوى الحناء ولا غيره. لا أملك أن أعمم، لكني متأكدة على الأقل من أن شريحة كبيرة من الناس كانت تعيش حياة أكثر بساطة مما أصبحت عليه حياتهم مع دخول هذا المفهوم ـ وغيره ـ إلى حياتهم.
أغاني العيد وموسيقاه نكهة أخرى من نكهات العيد في ذلك الزمان..، «العيد فرحة وأجمل فرحة.. يجمع شمل قريب وبعيد»، هكذا كنا نردد مع صوت صفاء أبو السعود ونحن في غاية السعادة. أذكر أنني لم أكن أفهم المقطع الذي يلي هذا المقطع، حين تقول «سعدنا بيها، بيخليها، ذكرى جميلة لبعد العيد»، وكنت أتساءل، ولا تزال براءة الطفولة تغلفني.. من سعد؟ ومن نبيهة؟
وكيف يصح أن تقول عن شخصين «بيخليها»، إذ المفروض أن تقول «بيخلوها»! تلك كانت من تساؤلات الطفولة البيضاء، في تلك الليلة البيضاء، كان ذلك سؤالا طالما أرقني وتجدد في ذهني الصغير حينها عيدًا بعد عيد، ولا أعرف لِمَ لَمْ أسأل أحدًا، كما لا أذكر أبدًا كيف اكتشفت ذلك الاكتشاف المهم، وعرفت معنى كلمات تلك الأغنية التي أصبحت من كلاسيكيات ليلة العيد في العالم العربي من محيطه إلى خليجه.
أغنية صفاء أبو السعود، و«ومن العايدين ومن الفايزين» بصوت محمد عبده، أو «أنوارك هلت.. ع الدنيا وطلت..»، وغيرها من أغاني العيد التي ألفناها، وكبرنا على سماعها، لا تزال تطل علينا الآن في بعض القنوات الفضائية، لكن هناك شيء ناقص، شيء ما غير موجود، على الرغم من وجود هذه الأغاني نفسها، في الليلة نفسها، إلا أن هناك فراغًا يظل قائمًا، ولا أعرف كيف أحدده!
لا تشبه ليلة العيد إلا نفسها، ولا يشبه صباحها إلا نفسه أيضًا.. وستبقى هي نفسها إلى الأبد.. إلا أن إحساسنا بها قد تغير دون أن نشعر، عن نفسي.. لم أشعر إلا بالتغير بعد أن حدث، ربما هذه هي الحالة الطبيعية، ألاّ يشعر الإنسان بأنه يتغير، لكنه يلاحظ بعد أن تنتهي مرحلة التغير أنه كان في نقطة.. وأصبح في غيرها.. تحرك كثيرًا أو قليلا.. لا يهم، المهم أنه لم يعد واقفًا.. أو جالسًا.. في المكان السابق نفسه، والأهم.. أنه ربما لم يعد هو نفسه الذي كان واقفًا.. أو جالسًا أيضًا.. في المكان السابق نفسه..
أن تتغير الأشياء من حولنا.. هذا أمر طبيعي، وأن نغير أماكننا، وأزمنتنا، أمر عادي جدًا، لكن أن نتغير.. وأن نفقد إحساسنا الجميل.. بالجمال.. هذا هو الأمر غير العادي، الذي يحتاج أن يتوقف كل واحد منا عنده، وأن يعرف.. أين أصبح؟ وماذا أصبح؟
جامعة الإمارات