يشكل الفكر الصهيوني كتلة واحدة لا تقبل في جوهرها القسمة علي اثنين، يمين ويسار. فالخلاف والتنازع بين القوى والحركات السياسية المنضوية تحت هذا الفكر، لا يتعلق بالأهداف العليا، وإنما بوسائل اجتراح الأهداف وترتيب الأولويات على مراحل تاريخية وأساليب مخاطبة الآخرين. أين هو التمايز الكبير بين الليكود والعمل وكاديما وسواهم، بشأن قضايا القدس والاستيطان وحق العودة الفلسطيني وجدار الفصل العنصري وطبيعة الدولة الفلسطينية ومصير فلسطينيي 1948 ويهودية إسرائيل؟!.
لو كان لمفهومي اليمين واليسار مبررات وموجبات حقيقية في المشهد الصهيوني الإسرائيلي، لما قامت حكومة ائتلافية إسرائيلية واحدة منذ 1948. ذلك أن الحكومات الائتلافية لا تنشأ إلا عن قواسم مشتركة تمثل مجرى النهر الرئيسي، وفيما عدا ذلك تبقى تفصيلات تخضع للاجتهادات.
ولمزيد من الإيضاح، علينا أن نلاحظ كيف تتعرض الحركات والقوى السياسية والدينية اليهودية داخل إسرائيل وخارجها، الرافضة للمثل الصهيونية، للنبذ والعزل والتهديد. وغالباً ما تطلب الدوائر الصهيونية من هذه الحركات التزام الصمت، وأحياناً تلقي عليها تهمة الخيانة.
في بداية جهود بنيامين نتنياهو زعيم الليكود، لتشكيل الحكومة الحالية، أعلن إيهود باراك زعيم «العمل» أنه وحزبه لن يشاركا في هذه الحكومة.. ولم تمر سوى أيام معدودات حتي ابتلع باراك إعلانه وانخرط تحت لواء نتنياهو وليكوده. ولأجل تبرير هذا التراجع قيل إن وجود العماليين في حكومة يقودها نتنياهو سوف يخفف من غلواء الأخير وتطرفه. لكن التفسير المنطقي أعمق من ذلك، وهو أن التباين الحاسم بين نتنياهو اليميني وباراك اليساري، لا وجود له من الأصل.
وكل ما في الأمر أن الأخير أقدر على تجميل وجه الحكومة بزعم يساريته. وهذا ما حدث بالفعل بين يدي قضية الموقف من مسألة الاستيطان. ففي الوقت الذي يُبدي فيه نتنياهو تشدداً في هذه القضية، يناور باراك بالحديث عن وقف الاستيطان لثلاثة أشهر!.
ولأن نتنياهو على دراية بالحشو الصهيوني المشترك لكل الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي من حوله، فانه يعرض بين الحين والآخر على تسيبي ليفني، زعيمة كاديما، الشراكة في حكومته.. قاصداً بذلك مزيداً من تحسين صورة هذه الحكومة، عبر توظيف مفهومي اليمين واليسار.
ولماذا نبتعد؟ اليسار معروف عموماً بنزعته الديمقراطية وإنسانيته وسلوكه الحقوقي وجنوحه للسلم وميله إلى قيم العدالة والتسامح وإنصاف المظلومين واعترافه بحقوق الشعوب في تقرير مصائرها.. فأين الموصوفون باليساريين في إسرائيل من هذه المثل؟!.