المتغير الأساسي الذي ميز القمة الأخيرة للدول الصناعية الكبرى التي اختتمت أعمالها يوم الجمعة الماضي في إيطاليا، والذي يصب في صالح الدول النامية، جاء اتساقا مع المتغيرات العالمية خاصة في العلاقة بين الشمال والجنوب مع تغير الإدارة الأميركية بغياب بوش وحضور أوباما.
فقد تحولت هذه القمة من إطار ضيق للدول الثماني المتقدمة فقط يقرر بأحادية شؤون العالم، إلى إطار أوسع يضم الدول الثماني الناشئة والنامية أيضا، ويعتمد الحوار والتشاور منهجا لقراراته، إدراكا من هذه الدول الكبرى أنها لن تستطيع وحدها معالجة الأزمات العالمية دون شراكة عالمية، وصولا إلى نوع من العدالة الإنسانية بين عالمين في الشمال والجنوب تفصل بينهما هوة كبيرة، عالم كان يزداد فيه المتقدمون والأغنياء تقدما وغنى، على حساب عالم ظل يزداد فيه الساعون إلى النمو تخلفا ويزداد فيه الفقراء فقرا!.
ذلك أن غياب العدالة السياسية والاقتصادية والإنسانية وحضور الفقر والجوع والبطالة، بقيت هي منبع الشرور والأزمات العالمية كلها. ومع توالى الأزمات الاقتصادية العالمية بآثارها الاجتماعية الوخيمة بسبب سوء السياسات، وبعدما تسببت الأزمات في تصاعد موجات الغلاء ونقص الغذاء بما فوق طاقة الفقراء، وبات الأمر خطيرا يهدد التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي على مستوى المجتمعات الوطنية والإقليمية والعالمية.
أدركت المنظمات الاقتصادية العالمية ضرورة إعادة تقويم نتائج سياسات العولمة الاقتصادية وما أدت إليه من آثار سياسية واجتماعية سلبية خطيرة، خصوصا على فقراء النصف الجنوبي، بل وعلى الطبقة الفقيرة في النصف الشمالي من العالم، واتجهت لوضع سياسات عالمية لا عولمية تعتمد على مشروعات تنموية إنتاجية جديدة، وتوجه مزيدا من الاستثمارات إلى الدول النامية والفقيرة، في مجالات الزراعة والإنتاج الغذائي.
وبينما كانت الأزمة المالية العالمية، ومشكلة الانبعاث الحراري، والانتشار النووي، هي المسائل الأهم المطروحة في مؤتمر قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى والدول الناشئة والدول الإفريقية، خطفت إفريقيا الأضواء واستأثرت بالقرار الأهم الذي يتفق مع ما جعلته القمة الأفريقية الأخيرة في ليبيا موضوعا لها، وهو «الاستثمار في مشروعات الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي»، وطالبت العالم المتقدم بزيادة استثماراته في هذا المجال لأفريقيا..
وعدا ما تحقق بمشاركة قادة أفارقة في مقدمتهم الرئيس المصري والجنوب أفريقي، وفي أول لقاء بين رئيس الاتحاد الأفريقي معمر القذافي ورئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما، فقد تحققت خطوة على هذا الطريق عندما تمثل ذلك القرار في تقديم 20 مليار دولار لدعم مشاريع التنمية الزراعية في الدول النامية والفقيرة، وزيادة الاستثمار خاصة في أفريقيا لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي والعالمي، ولتخفيض معدلات الفقر والجوع في العالم.
لكن الأهم ألا تبقى هذه القرارات حبرا على ورق. والأهمية الأكبر وراء هذا القرار بزيادة الاستثمارات في تلك المشروعات بقيمة خمسة مليارات، والذي جاء بعد محادثات قادة الدول الثمانية مع قادة الدول الأفريقية في اليوم الثالث للمؤتمر، تمثلت في الفكرة الأكثر إيجابية التي طرحها الاتحاد الأفريقي، وهي «إقامة المشروعات التنموية بدلا من تقديم المساعدات الغذائية»، بحيث تؤدي هذه المشروعات التنموية الزراعية على أرض الدول النامية والفقيرة، إلي الحد من أزمة الغذاء الإقليمية والعالمية وتخفيض معدلات الفقر والبطالة، بما يخفض معدلات الهجرة غير المشروعة من أفريقيا إلى أوروبا، عملا بالحكمة القائلة «لا تعطني سمكة ولكن مكنني من الصيد»!.