يبدو أن الخلاف العميق بين تركيا وأرمينيا يعرف أخيرا تطورات إيجابية قد تؤدي إلى تطبيع العلاقات بين الدولتين. لكن صعوبة العلاقات بينهما يمكن تحليلها على مستويين.
مستوى التحليل الأول له طبيعة تاريخية ويخصّ المذابح التي تعرّض لها الأرمن تحت ظل الإمبراطورية العثمانية عام 1915.
يقول الأرمن إن عدد ضحاياهم بلغ مليونا ونصف المليون بينما يقدّم الأتراك رقم 300000. الفرق كبير بين الرقمين، لكن ما هو أساسي ليس في الأرقام إذ لا يمكن نفي أن الإمبراطورية العثمانية قامت طيلة فترة الحرب العالمية الأولى بعمليات تهجير وبمذبحة حيال أرمن الأناضول.
ومنذ عدّة سنوات نشط الأرمن وخاصة الموجودين منهم في الخارج «الشتات» لمطالبة الأتراك بالاعتراف بتوصيف «الإبادة» على المذابح التي كان الأرمن ضحيتها. تركيا ترفض ذلك بشكل قاطع وكان تعبير «الإبادة» من المحظورات طيلة عدّة عقود في البلاد.
هذا وإذا كان مفهوم «الإبادة» قانونيا وليس هناك أية محكمة جنائية تملك صلاحيات النظر في أحداث تعود إلى عام 1915 فإنه مناط بالمؤرخين الحكم إذا كان تعبير «الإبادة» مناسبا لتوصيف تلك المذابح. كانت أنقرة قد اقترحت تشكيل لجنة مختلطة بهذا الاتجاه ولكن الأرمن رفضوا ذلك.
ولحسن الحظ تمكن ملاحظة التطورات السريعة التي جرت داخل المجتمع المدني التركي منذ عدّة سنوات. إن مسألة مذابح 1915 لم تعد في عداد المحظورات. هناك كتب ومؤتمرات وندوات ومقالات وبرامج في وسائل الإعلام تعالج دوريا هذه المسألة.
وفي شهر يناير من عام 2008، عندما اغتيل الصحفي التركي ـ الأرمني هرانت دينك من قبل قتلة ربما بأوامر من اليمين المتطرف التركي قامت مظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك وهم يهتفون «كلّنا أرمن».
كانت ظاهرة استثنائية ما كان تصوّر حدوثها ممكنا قبل عدّة سنوات. وقبل فترة وجيزة قام أربعة من كبار المثقفين الأتراك بتوقيع عريضة لطلب الصفح حيال «الكارثة الكبرى» التي وقعت على الأرمن عام 1915 وعبّروا عن تضامنهم مع الآلام التي تكبّدها أولئك الذين أطلقوا عليهم تسمية «أخوتهم الأرمن».
اعتبارا من هنا ينبغي على الأرمن، وخاصة الشتات منهم، أن يتساءلوا إذا كانت ذاكرة الضحايا تجد نفسها في التوصيف القانوني لمذابح 1915 أو بالاعتراف فيها من قبل المؤرخين وبطلب الصفح الذي عبّر عنه عشرات الآلاف من المتظاهرين وصائغو العرائض الأتراك.
المستوى الثاني للتحليل يخص العلاقات السياسية بين دولتين تركيّة وأرمينية. ومن المفيد هنا التذكير قبل كل شيء أنه إثر النزاع بين أرمينيا وأذربيجان حول كاراباخ العليا ـ وهي منطقة تابعة لأذربيجان لكن غالبية سكانها هم من الأرمن ـ خلال سنوات 1988 ـ 1994، فقدت أذربيجان فعليا الرقابة على تلك المنطقة التي أصبحت، مع سبع مناطق أذربيجانية أخرى، تحت إدارة الأرمن.
فقامت تركيا من موقع التضامن مع الأذربيجانيين الناطقين باللغة التركية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أرمينيا عام 1993، والحدود بين البلدين لا تزال مغلقة حتى اليوم. هكذا غدا الوضع القانوني في كاراباخ شيئا فشيئا بمثابة عقدة من المتعذّر حلّها. ذلك أن أذربيجان تدافع عن مبدأ عدم المساس بالحدود وأرمينيا عن حق تقرير المصير.
مع ذلك بدأ الوضع ينفرج قليلا. ففي شهر سبتمبر ـ أيلول الماضي دّعي الرئيس التركي عبد الله غل لحضور مباراة بكرة القدم بين الفريقين الوطنيين للبلدين. إنها زيارة تاريخية. ومنذئذ أثمرت «دبلوماسية الكرة المستديرة» وتعددت اللقاءات بين الوفود التركية والأرمينية عبر وساطة دبلوماسيين سويسريين.
ولا شك أن انتخاب سيرج ساركيسيان، الذي يحمل رؤية انفتاحية للعلاقة مع تركيا، كرئيس للجمهورية الأرمينية عام 2008 شجّع ذلك التقارب. وكان الرئيس اوباما عند زيارته إلى تركيا قد شجّع بقوة ذلك التقارب بين البلدين. كما أن روسيا ذات النفوذ المهم في منطقة جنوب القوقاز وخاصة على أرمينيا مؤيدة للتطبيع بين تركيا وأرمينيا.
ضمن مثل هذا السياق جرى في 22 أبريل الماضي التوقيع على خارطة طريق بين الطرفين التركي والأرميني. وإذا لم يكن قد جرى الإفصاح عن مضمونها علنا، فإن خطوطها العريضة تؤكّد على إعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود سريعا. ومن جهة أخرى قد تعترف أرمينيا بمعاهدة «كارس» الموقّعة عام 1921 بين تركيا والاتحاد السوفييتي مما قد يعطي لتركيا الضمان بعدم مطالبة أرمينيا بتغييرات حدودية. وأخيرا ربما أنه قد جرى تشكيل لجنة دولية من المؤرخين لتفحّص أحداث 1915.
كاتب فرنسي ـ باريس