اقتصاديا كانت القمة ثنائية في أغلب أبجدياتها فإشكاليات السيطرة العالمية تمثلت في الولايات المتحدة والصين أما عقباتها وحلولها فقد تمثلت في فرنسا وألمانيا وفي تحديد أهدافها كانت أيضا دولتا المملكة المتحدة والولايات المتحدة وهما من سيدفع قيمة فشل القمة اقتصاديا حال حدوثه.
فهي قمة أشبه بعين العاصفة في هدوئها رغم الدمار الذي حولها وما تفرضه واقعية الأزمة، إنها أشبه بمرآة تاريخية تعكس جوهر الأزمات الاقتصادية خلال عنصرين (المصارف - سعر الفائدة) مع مضامين ذكرى اتفاقيات الكساد العظيم 1933 وبما تحمله من رياح التغيير، أما جديدها فكان إدراك خطورة معوقات الإقراض العائلي ومهددات النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات التوظيف اجتماعيا. أما آفاق التحديات المالية والحماية الاستثمارية فقد تمثلت في ثلاثة محاور(الحماية المرفوضة - التشريعات المصرفية والمالية ـ دعم الوظائف).
لقد جاءت قمة العشرين المنعقدة بعاصمة العالم المالي لندن لترسم عمق الأزمة الإنساني، قمة جمعت حشود أكثر المتضررين اقتصاديا من أطياف الفقر الاجتماعي (منظمات عمالية ـ منظمات خيرية ـ منظمات دينية - هيئات طلابية- منظمات بيئية) في رسالة اجتماعية فريدة من نوعها جوهرها أداء اقتصادي نظيف في مبادئه الاجتماعية وبيئة خالية من التلوث. قمة مثلت رسالة أكثر من كونها اتفاقا دوليا فحواه أن الإنقاذ الاقتصادي ليس أكثر أهمية من التعاون الاقتصادي دوليا للخروج من الأزمة.
قمة جمعت أمماً تمتلك 90% من حجم التجارة الدولية أتت تحكي أداءها المالي وتطبيقاته والدروس المستفادة فالبرازيل تعرض دروسها الناجحة في الإدارة المصرفية وتشريعات ضبطها أما ألمانيا وفرنسا فقد جاءتا لترفضا التوسع في الإنفاق العام وأهمية معالجة الأزمة من خلال تضييق نطاق العمليات الاستثمارية المصرفية والسيطرة عليها، وعليه أتت نتائج القمة على النحو التالي:
1- زيادة موجودات صندوق النقد الدولي ثلاثة أضعاف إلى 750 مليار دولار يتم توزيعها لدعم التجارة الدولية وتقديم القروض للدول لإنقاذ تعثر أدائها الاقتصادي وجزء للبنك الدولي.
2- أهمية تطوير الأداء المصرفي لتحقيق ضمانة أكبر للموجودات الادخارية والأنشطة الاستثمارية وتقليل الإساءة السوقية المصرفية فيها.
3- خلق شفافية أكبر في مناطق رؤوس الأموال الآمنة أو مناطق الإعفاءات الضريبية عالميا من خلال ضرورة إخطار السلطات الضريبية بحجم الموجودات لديها. أما تحليلات القمة اقتصاديا فتأتي من خلال إدراك عدد من النقاط المهمة وهي:
1- أوروبا الغربية تطلب من صندوق النقد إنقاذ أوروبا الشرقية لتخفف الآثار غير المباشرة للأزمة عليها حال تعثر أوروبا الشرقية اقتصاديا أو تعذر إعادتها للقروض المستحقة عليها.
2- الصين وإشكالياتها مع الولايات المتحدة بما تحمله موجودات الاستثمارات الصينية وهي قرابة 12 تريليون مودعة في الخزينة الأميركية بالإضافة لحرصها على الحصول على ضمانات حماية الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة.
3- القمة من الناحية الأوروبية تمثل الحرص على سيادتها الاقتصادية وتميز أدائها بعيدا عن السيطرة الأميركية لكونها ليست المسؤول المباشر عن الأزمة فهي تدعو إلى تطوير الأداء المالي من خلال القوانين التي تحد من الإساءة المالية والشفافية في موجودات المحافظ المالية والمصارف والحد من الإنفاق العام.
4- الولايات المتحدة تنظر للقمة وفق مبدأين مبدأ تقليدي سياسي وهو مناقشة مواضيع التسلح النووي مع روسيا واقتصادي جوهره الحد من تفوق الصين تجاريا والضغط عليها للمساهمة أكثر في صندوق النقد الدولي.
5- الغائب الحقيقي هو دول العالم النامي التي خانها التمثيل في المؤتمر ولم تخنها آلام 25 مليار نسمة تعاني اشد مظاهر الأزمة التي أحدثتها القوى العظمى.
6- الإنقاذ أخطاء في التركيز على الإقراض المصرفي البيني وإنعاشه ولم ينجح في الإقراض الشخصي او الاستثماري بل انه في أحسن الظروف لأن يعطي آثاره إلا بعد ثلاثة إلى ستة أشهر لذلك كان الأفضل إنعاش الاستهلاك العالمي لإنعاش الإنتاج الصناعي الغربي .
7- الغرب يبحث عن الإنقاذ الصناعي اي إنقاذ خسائر الإنتاج الذي ان لم تعالج إشكاليات الاستثمار الدولية من سوف يشتري إنتاجها اما العالم الثالث فيبحث عن إنقاذ خسائر الانفتاح التجاري لضياع السيادة الاقتصادية لديها.
8- نجاح القمة قائم على تطبيق قرارات قمة الدوحة التجارية المتضمن تقليل الضرائب والرسوم الجمركية لتشجع التجارة الدولية وإلا لا مفر من بطالة بنسبة واحد من كل عشرة أشخاص بحلول نهاية العام الحالي.
9- انتقل الاهتمام بالطبيعة بيئيا الى الاهتمام بها اقتصاديا وعليه فان اتفاقية كيوتو تعد زاوية المستقبل الاقتصادي فالولايات المتحدة تخصص 71 مليار للاستثمار في الطاقة البديلة و20 مليار للإعفاء الضريبي لها، فالتوجه العالمي للطاقة البديلة لا يبعثه القبول العلمي او المحافظه على البيئة ولكن في الحقيقة ما سوف تخلقه هذه الاستثمارات من فرص عمل بالإضافة إلى إعادة القيمة الحقيقية للأرض والمصادر الطبيعية بنسبة 18%.
10- حقيقة الأرقام التي تم التصريح بها لدعم صندوق النقد ما هي إلا أرقام تمت إعادة صياغتها فما 1,1 تريليون دولار إلا رقم سابق وهو 100 مليار دولار تم الإعلان عنه سابقا وتستمر لعبة الأرقام من البنوك المحلية الى صندوق النقد الدولي والضحية واحدة، الفقير الذي لن يسعفه شرحها لأبنائه حال فقده للوظيفة.
أما خليجيا فتعد الأزمة الوقت المناسب لتأسيس مدن المال والخدمات المصرفية كبديل عربي لسويسرا اوجيرزي وغيرها من خلال تبني المعايير الدولية الجديدة بالإضافة إلى خلق بيئة تنافسيه لرؤوس الأموال الأجنبية، كما يتعين على الدول النفطية دخول عالم استثمارات الطاقة البديلة على ان يكون النفط في جوهرها لتحقيق ميزة تنافسية اقتصاديا.
وفي الختام التبادل التجاري الدولي هو الحكم في نجاح القمة أو فشلها والذي مؤشراته تدل على انخفاض بنسبة 4%، كما أن عودة سياسات الحماية المتمثلة في زيادة الضرائب الجمركية وقيود انتقال التجارة بالإضافة لسياسات دعم الصادرات الزراعية كفيل باستمرار الأزمة وفشل نسبي للقمة على الأقل حتى موعدها القادم في سبتمبر من هذا العام بمدينة نيويورك الأميركية.
باحث في الاقتصاد الدولي