منذ أيام أعلن الرئيس دميتري ميدفيديف أن عملية إعادة تسليح الجيش والأسطول الروسيين على نطاق واسع ستبدأ في عام 2011، معتبرا أن وزارة الدفاع قد نجحت في إعادة تسليح العديد من الوحدات والتشكيلات بأسلحة وتقنيات عسكرية جديدة. وأضاف أن مهمة تجهيز القوات المسلحة بأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية تعتبر من المهام الأساسية في التحديث النوعي للجيش الروسي.
وأكد أن روسيا خصصت موارد مالية كبيرة لتصميم وشراء الأسلحة والتقنيات العسكرية، مشيرا إلى أن حجم الإنفاق العسكري لن يتم تقليصه بالرغم من ظروف الأزمة المالية. وشدد الرئيس على أن مساعي الناتو للتوسع شرقا، واحتمالات تفجر نزاعات في عدد من المناطق الساخنة في العالم من الدوافع الأساسية لتحديث القوات الروسية.
وفي هذا اللقاء الذي عقد في وزارة الدفاع اعتبر وزير الدفاع الروسي أناتولي سيرديوكوف أن مساعي الولايات المتحدة لفرض هيمنتها عالميا، وتوسيع تواجدها وحلفائها في الناتو عسكريا في وسط آسيا والمناطق المجاورة لروسيا، بهدف الحصول على منفذ إلى الثروات الخام وموارد الطاقة في بلدان رابطة الدول المستقلة. في إطار إزاحة روسيا من فضاء مصالحها التقليدية بنشاط، لابد وأن تتم مواجهة ذلك عبر تحديث القدرات العسكرية الروسية.
ومما لاشك فيه أن روسيا لا تسعى ولا تنوي الدخول في مواجهات عسكرية مع حلف الناتو أو الولايات المتحدة، وقواعد اللعبة الدولية لا تسمح بالصدام بين الكبار، إلا أن روسيا تعمل على استخدام مبدأ الردع المتبادل، والذي يقوم على وجود توازن في القدرات العسكرية والإستراتيجية بين مختلف القوى الدولية، ما يشكل مانعا أمام تصعيد الصدامات المسلحة، ويدفع نحو البحث عن تسويات والتفاهم عبر التفاوض السلمي.
لذا تعتقد أوساط العسكريين الروس أن تطوير قوات الردع النووية الإستراتيجية يجب أن يحتل المرتبة الأولى في خطط تحديث الجيش. ولعل هذا التوجه يفسر خطة هيئة الأركان الروسية والتي تتضمن تسليح غواصة الجيل الرابع الحديثة الذرية «يوري دولغوروكي» بمنظومة صواريخ «بولافا ـ أم» مع رؤوس نووية فردية التوجيه بوسعها إصابة الأهداف على بعد 8 آلاف كيلومتر.
إضافة إلى تجارب إطلاق الصاروخ البالستي الحديث «بولافا ـ م» من متن الغواصة «دميتري دونسكوي». كما تنوى القيادة العسكرية وضع فوج صواريخ إستراتيجية «أر س ـ 24 »، مزودة برؤوس انشطارية في حالة التأهب القتالي في أواخر هذا العام.
باختصار وكما يبدو واضحا أن حالة من الاستعداد لتكثيف الحماية العسكرية على الحدود الروسية، وتطوير قدرات وأداء القوات الروسية قد بدأت تسيطر على عمل وزارة الدفاع الروسية. وبكل المعايير هذا الأمر ضروري وملح بعد أن وصلت نسبة الأسلحة الحديثة في مختلف قطاعات الجيش الروسي إلى أقل من 25%.
وأصبحت القوات الروسية من الجيوش المتخلفة، في نفس الوقت الذي تعتبر منتجات المجمع الصناعي ـ العسكري الروسي من الأسلحة المتطورة والتي تتسابق الدول على اقتنائها.
إلا أن هذا ليس كل شيء، لأن روسيا التي تسعى لبناء عالم متعدد الأقطاب بدأت تدرك أن تخلي البعض عن منطق السيادة المطلقة لن يكون بالتراضي، وإنما عبر إيجاد توازن عسكري استراتيجي، يجبر كل الأطراف على التعامل مع بعضها البعض على قدم المساواة واحترام مصالح كافة الدول والأطراف الدولية.
ولابد من الاعتراف أن قمة ميدفيديف ـ أوباما ستضع النقاط على الحروف، وستحدد الكثير من توجهات روسيا القادمة، استنادا إلى محاور السياسة الخارجية لإدارة أوباما. لاشك أن تصريحات الرئيس الأميركي الجديد تبعث على التفاؤل، لأنها تسعى لتهدئة التوتر الدولي، وتسوية الخلافات عبر التفاوض السلمي والتوصل إلى تسويات. إلا أن خروج هذه التوجهات إلى حيز التنفيذ سيؤدي إلى تعديلات ملموسة في سياسة روسيا الخارجية التي تنزع نحو الحوار والمنفعة المتبادلة.
كاتبة روسية