مازال الغموض يخيم على خريطة التحالفات فى انتخابات الرئاسة القادمة في أوكرانيا التي تشهد صراعا شديدا بين قوى مختلفة ومتناقضة في التوجهات الخارجية، وتكتسب هذه التحالفات أهمية خاصة لما سيكون لها من تأثير على توجهات السياسة الخارجية الأوكرانية من حيث آفاق العلاقة مع روسيا من جهة، والتعاون مع واشنطن والغرب وحلف الناتو من جهة أخرى.
ولعل ما كشفه تاراس تشيرنوفيل عضو قيادة حزب الأقاليم حول احتمال حجب ترشيح زعيم الحزب فيكتور ياناكوفيتش لمنصب الرئاسة ما أثار تساؤلات حول إمكانية تحالف تكتل رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو مع حزب الأقاليم ومع روسيا؟ لقد خاض فيكتور يانكوفيتش معركة انتخابية ضارية وقاسية عام 2004 ضد خصمه الرئيس الحالى فيكتور يوشينكو الذى كان متحالفا آنذاك مع تكتل تيموشينكو.
وبالرغم من أن ياناكوفيتش لم يعلن موقفه حتى الآن، إلا أن العديد من قيادات الحزب لا ترى مبررا لترشحه، فيما يعرب الكثيرون عن قلقهم من صمت زعيم الحزب، باعتبار أن حسم هذا الملف سيمكن الحزب من تحديد خطته. ولكن استئناف المفاوضات بين حزب الأقاليم وتكتل يوليا تيموشينكو لتأسيس تحالف سياسى في مواجهة الرئيس يوشينكو أعطى إيقاعا جديدا نحو إمكانية التوصل لتسوية بين الطرفين، ستكون بموجبها يوليا تيموشينكو رئيس البلاد، فيما سيتولى فيكتور يانكوفيتش رئاسة الحكومة الأوكرانية.
ولاشك أن تصريحات الرئيس الأوكراني الأسبق ليونيد كرافتشوك، والتى اعتبر فيها أن الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو قد فقد زمام الحكم، ولا توجد لديه قوى ودعائم تساعده على العمل. والرئيس الحالي لا يستطيع تغيير الوضع. قد دفعت يانكوفيتش زعيم حزب الأقاليم للتفكير في إمكانية حصوله على مقعد الرئاسة، خاصة وأنه لا يلمس تجاوبا من تكتل تيموشينكو التى أعلنت أن نواب كتلتها فى البرلمان لن يوقعوا على وثيقة بدء عملية حجب الثقة.
وبالرغم من أن حزب الأقاليم ليس متحمسا لمشروع قرار سحب الثقة من الرئيس يوشينكو، والذى تقدم به رئيس الحزب الشيوعي الأوكراني بيوتر سيمونينكو. إلا أنه يعتبر موقف رئيسة الحكومة مؤشرا على إمكانية تقارب ما مع مجموعة الرئيس يوشينكو، ما دفعه إلى الدعوة إلى حجب الثقة بشرط استقالة حكومة يوليا تيموشينكو أيضا.
ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن يانكوفيتش يظل الأقرب لروسيا من رئيسة الحكومة، وهو ما يحرص عليه في كافة مواقفه وتحركاته، ولعل أبرز مواقفه إصراره على اختيار وزير خارجية غير موال للغرب، ورافض لجر أوكرانيا إلى أحلاف عسكرية وإلى المشاركة في أي نزاعات، وخلافا لمواقف يوليا تيموشينكو رئيسة الحكومة والتى انتقلت من خندق أعداء روسيا إلى جبهة حلفائها بعد أن تبين لها أن الفوز في انتخابات الرئاسة القادمة يحتاج دعم موسكو.
وتخيم ظلال الأزمة الاقتصادية على الصراع السياسي داخل المؤسسة الحاكمة العليا الأوكرانية، ما تسبب فى تسارع انهيار شعبية الرئيس يوشينكو إلى أقل من 2%، وتفكك حزبه وانسحاب العديد من قياداته من ساحة العمل السياسى. هذا الوضع فرض على الغرب البحث عن بدائل للرئيس يوشينكو، بل ودفع الغرب لمطالبته بعدم الترشح في انتخابات الرئاسة القادمة. وتفيد معلومات أن السفارة الأميركية ترى أن الرئيس السابق للبرلمان الأوكراني أرسيني ياتسينوك هو المرشح الأكثر واقعية لتولي منصب الرئاسة، باعتبار أنه مستعد للاستمرار في الخط السياسي الذي ينتهجه الرئيس يوشينكو متجها للغرب.
على أي حال كل هذه التغييرات والصراعات تكشف عن جانب أساسي، وهو أن ملف انضمام أوكرانيا إلى عضوية حلف الناتو قد تم تأجيله، وإذا كان تولي يانكوفيتش الرئاسة يجهز على هذا الملف لفترة طويلة ويفتح الباب أمام تجديد عقد إيجار قاعدة ميناء سيفاستوبل لأسطول البحر الأسود الروسي، فإن تولي تيموشينكو رئاسة أوكرانيا سيؤجل ملف عضوية الناتو. بينما انتخاب ارسينى ياتسينوك رئيسا سيعيد مجددا ملفات الانضمام للناتو وإجلاء الأسطول الروسي من ميناء سيفاستوبل الأوكراني قبل عام 2017 حسب الاتفاق بين روسيا وأوكرانيا.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني