تأتي أهمية التوظيف كونه جوهر العلاقة بين السياسة وحرفية الاقتصاد الاجتماعي من خلال مبدأه الإنساني كضمانة للحياة الكريمة وسياسي للحيلولة دون تحول المطالب العمالية الآنية إلى ثورة شعبية مهددة استقرار الدول.
أما اقتصادياً فيعد عنصر خسارة الموظفين كأحد المعوقات الاقتصادية غير المباشرة التي تواجه النمو الاقتصادي لذلك جاءت أهمية جدولة تكاليف تغيير الموظفين في بيان الأرباح والخسائر السنوي وإدراجها في تقارير نهاية السنة المالية وذلك للتغلب على الهدر المالي المصاحب لانتقال الأفراد والمتمثل في تكاليف التوظيف الجديدة (إعلانات التوظيف ـ الفحوص الطبية ـ تكاليف إدارية متنوعة ـ تكاليف تدريب) بالإضافة إلى تأخر الإنتاجية الفعلية للموظف الجديد بعد مرور عامين من التعيين.
إن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة للتسريحات العمالية مخلفة وراءها أرقاماً قياسية للبطالة لا يمكن التهوين من شأنها أو القبول بأنها نتيجة مؤقتة وفق استراتيجيات التعاطي مع الأزمة المالية كما تحاول أن تقنعنا به المؤسسات المالية والشركات التي عانت هدراً غير مبرر في الإنفاق مع غياب تشريعات الفساد إلى إيصال الاقتصاد إلى حالة من الإفلاس، أو على اعتبار أن العالم كله يعاني من مشكلة التسريحات العمالية وأننا لا نمثل استثناءً في هذا الخصوص.
الحقيقة أنه لا يوجد شبه بين التسريحات في الدول الرأسمالية المتقدمة والتسريحات في العالم العربي كون التسريحات في الغرب مرتبطة بالتغيير الدوري في النشاط الاقتصادي نتيجة ضعف أداء قطاع معين يترتب عليه انتقال اليد العاملة للبحث عن فرص عمل أخرى.
بالإضافة إلى وجود نظم إعانات البطالة والخدمات الاجتماعية التي تحد من وطأة البطالة، أما التسريحات في العالم العربي فتتميز بطبيعة هيكلية مزمنة بل قاسية لغياب الضمانات الاجتماعية أو تواضعها بالإضافة إلى غياب دور الدولة للقيام بدور ديناميكي لدعم العجلة الاقتصادية للوفاء بالتزاماتها. فأصبح العقد العمالي تحكمه قانونية العقد شريعة المتعاقدين وكأنه عقد تجاري بدلاً من أن نصل لمرحلة تقييم ومحاسبة الممارسات الخاطئة للوصول للحماية الشاملة فيما يخص كرامة الإنسان ورقي التعامل الاجتماعي.
إن ما يعيشه الوضع العمالي عالمياً ما هو إلا أزمة إفلاس تركزت في ثلاثة قطاعات (المصارف ـ الإنشاءات ـ المبيعات) تحولت إلى أزمة سيادية تمثلت في قصور دور الحكومات في الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية أسفر عنها نسب بطالة أوصلت 53 مليوناً تحت خط الفقر، أزمة عمالية كان جوهرها نتيجة عدة عوامل وهي:
ـ تبني سياسات الانفتاح الاقتصادي العمالي والاعتماد الكلي على التبادل التجاري الدولي.
ـ ضياع الأرباح من خلال تبني مفهوم غير منضبط للمكافآت التي لم تصبح مقابل التمييز بل مقابل المنصب.
ـ غياب الاستراتيجيات بعيدة المدى التي تغلب مصلحة بقاء المؤسسات وحقوق المساهمين على توزيع المكافآت.
ـ غياب إدراك المدراء التنفيذيين لأهمية المبدأ الاجتماعي للوظيفة في تعزيز الروابط الاجتماعية.
ـ حقيقة التسريحات العمالية أوجدتها سرعة الهبوط الاقتصادي.
ـ ظهور ظاهرة الجيل الثاني من العاطلين عن العمل.
ـ تبني مبدأ مرونة التوظيف المتمثل في سهولة التخلي عن الوظائف الأقل أهمية لتحقيق ميزة خلق فرص عمل جديدة.
ـ فشل الرأسمالية في تحقيق غاية الربحية وخلق قيم وأخلاق حرفية في القطاع المالي.
ـ إعطاء الحكومات الأولوية في الرعاية للاستثمار أوجد فرضية حرية الشركات في حماية بقائها على حساب التسريحات العمالية.
أما الدور العربي فتمثل بالتأثر غير المبرر من خلال استغلال الدول للأزمة للتملص من مسؤولياتها الاجتماعية على الرغم من غياب دورها في الاقتصاد العالمي بل ضعف أداء تبادلها التجاري البيني، والحقيقة أن الإنسان فيها ليست إعاقته جسدية ولكن إعاقته خلل في الحوافز الاجتماعية ومنه الحرمان من فرصة العمل والأداء وتأتي أسباب تعثر أدائها في تنظيم الموارد البشرية لعدة عوامل:
1 ـ إشكاليات تعاطيها مع مفاهيم وآليات تشكيل النقابات العمالية لما تحمله مدلولاتها السيادية من مخاطر على الأنظمة الشمولية كما تحمل في طياتها التدخل الدولي أو التقييم الدولي ورفضه أوجد فوضى المطالب العمالية.
2 ـ تقوم استراتيجيات التوظيف العربي على معادلة اللغز الاقتصادي من خلال ربط التوظيف بثلاثة محاور (نسبة تقليص العجز في الميزانية-المحافظة على نسب ثابتة للأجور الدنيا-إصلاح النظام الاجتماعي من خلال التعويضات) معادلة غير معنية بمحدودية فرص العمل أو نسبة النمو الاقتصادي.
3 ـ بنية اقتصادية قائمة على منظومة ضريبية لم تخفف إنفاق الدولة بل زادت منه.
4 ـ سياسات لا تقوم على مبدأ «النور في نهاية النفق» والذي يتطلب الرقي بمعايير التوظيف أو التسريح العمالي وقابلية لأداء أوسع للتوظيف لتقليل أعراض البطالة.
أما الدور الخليجي فيفترض أن يكون الأحسن أداء في الأزمة من خلال نمو يتمثل بنسبة 6% مع ضرورة مراعاة نقاط عدة مهمة هي:
1 ـ العودة للمفهوم التقليدي للتوظيف من خلال التركيز على قطاعات مثل (الصحة ـ التعليم ـ القطاعات العسكرية وشبه العسكرية).
2 ـ خلق فرص العقود التدريبية يتبعه التوظيف الدائم لتعدي الأزمة.
3 ـ إلغاء التمييز العمري في التوظيف أو في التقاعد وفق مبدأ افتراض انتهاء الأداء الوظيفي في سن معين والذي لا ينعكس أثره على الفرد من خلال الحرمان من الوظيفة فقط ولكن حرمان المجتمع من خبرته وأفكاره بالإضافة لمخالفته مواثيق حقوق الإنسان.
4-الحيلولة دون انتقال ضعف عدالة وشفافية التوظيف في القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي.
5 ـ إدراك أهمية قمة العشرين الاقتصادية المقبلة التي لن يكون جوهرها تطوير آليات عمل المؤسسات المالية أو تطوير نظام قادر على التنبؤ بالأزمات المستقبلية كما يدعي البعض وإنما لهدف واحد هو إنقاذ الاقتصاد العالمي والنظام التجاري الحالي من خلال زيادة موارد صندوق النقد الدولي إلى 750 مليار دولار من خلال إلزام دول مثل الصين واليابان والدول النفطية بضرورة المساهمة بحصص أكبر في صندوق النقد الذي تصب أولوياته في أوروبا وثانيها خلق تحالف عالمي ضد سياسات الحماية الاستثمارية.
وفي الختام لابد من إدراك حقيقة هي أن الفراغ الاقتصادي الناتج عن الأزمات المالية يعد نقطة تحول في الأنظمة السياسية غير الديمقراطية.
باحث في الاقتصاد الدولي