اعتادت إسرائيل على نكران جرائمها، في كل عدوان ترتكبه. واحدة من أكاذيبها التي خدعت العالم بها، أن جيشها «الدفاعي» يتصرف، في ساحات القتال، وفق الأعراف والمواثيق الدولية؛ حيال المدنيين وأرضهم. لكن سجلّها مليء بما يدحض هذا الزعم المفضوح. مع ذلك، كانت دائماً تنفي وبوقاحة.
هذه المرة، انحشرت في الزاوية أكثر من أي وقت مضى. نفيها لكافة الاتهامات، بارتكاب جرائم ضد الإنسان خلال اجتياح غزة؛ كذّبته إفادات عدد من جنودها، الذين كانوا في الميدان. شهادات من داخل بيتها، جاءت لتخرس مزاعمها الباطلة. تبقى الخطوة التالية. فبعد التهمة، ثم ثبوت الإدانة بالأدلة والشهادة؛ لا بدّ وأن تأتي العقوبة. وهنا مربط الفرس.
إنزال خسائر فادحة ومؤلمة بالمدنيين وأرزاقهم، سياسة إسرائيلية قديمة وثابتة. مارستها تل أبيب في كل الساحات المجاورة. وبالذات الفلسطينية منها. ذريعتها كانت هي نفسها: إما الزعم بأن من تقوم بالعدوان عليهم، يتعمدون وضع المدنيين في الواجهة للاختباء خلفهم. وإما أن سقوط هؤلاء يحصل «خطأ»؛ بحجة أن الحروب باستمرار تصاحبها أخطاء من هذا النوع.
الواقع والواضح، أنها كانت وما زالت، تتعمّد مثل هذا الإيذاء لغايات محددّة؛ من بينها إرهاب الساحة المعنية وجعلها عبرة لغيرها. تمرير جرائمها هذه، من دون كلفة بحكم الغطاء المتوفر لها، شجّعها على تكرارها بل التمادي بها. أثناء العدوان لم تتردّد الوزيرة ليفني في القول، بكثير من الغطرسة والازدراء، بأنه «ليس هناك أزمة إنسانية في غزة» وبالتالي لا داعي لهدنة. فعلاً كان ما هو أكثر من أزمة.
كانت جريمة إنسانية. هكذا صنّفها زوّار القطاع، بعد وقف النار. حتى حلفاء إسرائيل منهم، أعربوا عن ذهولهم. كثيرين منهم طالبوا بفتح تحقيق، لتبيان ما إذا كان في الأمر جرائم حرب. ومنهم أمين عام الأمم المتحدة.
معزوفة «الدفاع عن النفس»، التي طالما تذرعت بها إسرائيل ومعها واشنطن، لتسويق عدوانها؛ صارت باهتة. بل سقطت عنها ورقة التين، عندما تبرّع بعض جنودها، الذين شاركوا بالعمليات؛ بالحقيقة لصحف إسرائيلية.
«ذهبنا إلى هناك، بشعور أنها مهمة دينية»، نتيجة الشحن التعبوي؛ يقول أحد الضباط لجريدة معاريف. حسب إفادات أخرى، «حصل إطلاق نار بلا تمييز وتدمير مقصود للأملاك». كان هناك «عطش كبير للدم» يقول احد الجنود. زميله كان أكثر وضوحاً: «علينا قتل أي إنسان هناك، باعتباره مخرباً أو إرهابياً».
شهادات برسم أصحاب نظرية الدفاع عن النفس. كما هو أساساً برسم العالم. فهل يتحرك لتأديب وردع هذه السادية الإسرائيلية المتوحشة؟