تعممت الايديولوجيا بأشكال ومسميات مختلفة وهي تجتمع في أنها فكر أو فلسفة أو عقيدة تشكل الإطار العام الذي يحكم سلوك الفرد، الجماعة، الحزب، الدولة، سواء ذلك يعني الدولة أم التيارات الأخرى أم العالم الخارجي، نعم مر العرب بالايديولوجيات المختلفة خلال أكثر من 60 عاماً خلت ومنها القومية العربية والاشتراكية والإسلام السياسي والبعث والناصرية.. أين أخذتنا هذه الايديولوجيات؟ إنها جميعاً أفشلت تحرك العرب نحو مستقبل واعد.

لا شك ان الناصرية والوطنية والقومية العربية كتيارات فكرية أدت إلى انطلاقة الصحوة العربية إلا أنها لم تخرج عن هذا النطاق، وبتكاثر الايديولوجيات التي اعتنقتها الأنظمة الحاكمة تجمد المشروع العربي وبرزت الزعامات العربية كل يريد أن يفرض مذهبه على الآخر في صراع سقيم على من يكون الأول بينهم، ولجراء هذا تعاني الجامعة العربية والعرب أجمع.

أتت الايديولوجيات للأنظمة العربية بأفكار (فرص) جديدة للساسة لتحريكهم نحو الحكم والسيطرة ليس إلا، مما يفسر السبب الحقيقي لعدم الاكتراث ببرامج التطوير وتنفيذها وراء هذا الفشل في تحقيق المستقبل الواعد، وأصبح للعرب 10 أو 20 قبطاناً؟ لن تستطيع هذه السفينة أن تصل مرساها فهي إما تدور حول نفسها أو تعانق الأمواج غرقاً، وهنا تكمن خطورة الايديولوجيا، فالعرب في حاجة لتلك الايديولوجيا التي ترسم الخط العريض والذي من خلاله تتحقق طموحاتهم وازدهارهم وليس هناك مكاناً للتناقضات في المسار المشترك.

الحقيقة إن الايديولوجيا العربية المرجوة هي في العدم، وما هو مطروح في الساحة ذا طموحات محدودة وضيقة، فالإخراج من العدم إلى الوجود مبهم ومضلل في كثير من الأحيان فهو لم يقاس مسبقاً، إن نجاح العرب في هذا القرن من الألفية الجديدة يرتبط كل الارتباط بصياغة ايديولوجيا عربية تصمد أمام الرياح والأمواج في نجاح تلو الآخر، إننا جميعاً الأوائل، فكل زعيم عربي يأخذ بلده نحو إنجاز الأهداف التي يضعها على نفسه ويعلن أنه الأول ولن يحاسبه أحد على ذلك، وهكذا يصبح لدينا 22 زعيماً عربياً منتصراً في الدرجة الأولى، انتهى الصراع العربي.

إذاً وجود تلك الرؤية والأفكار لابد منها أن تخرج العرب من صراعاتهم وتفرغهم من تلك الحساسيات لتسود حقبة من الاستقرار والسلام العربي مما يسمح لهذه الايديولوجيا بالنجاح، إن مدى النجاح هنا يقاس بنوعية الكم والزمن اللازمين، نعم سوف يتعرضان بوابل من مختلف الأسلحة والآلات لإحباط أي تقدم، سنكون في صراع مختلف يتطلب التعددية واحترام الغير وأنا واثق أننا سوف ننتصر على أنفسنا فلدينا الرغبة والعزيمة والأهم من ذلك إرادة القائد.

كما ذكر فإن الايديولوجيا تحتاج من يحركها ويؤمن بها وفي واقعنا هذا هو الزعيم أن أراد أشعلها، وخرجت من الإمارات وهى أجاج وإذ لهيبها أشعل ما حولها في الخليج العربي، نعم شيء عجيب وغريب يعلن عن بداية عصر ما بعد الحداثة في التاريخ العربي، إن إخراج الوجود من العدم يتطلب تفسيراً عن مكنونه، وما أن وصلنا للمكنونة أمسكنا بالخيط.

الايديولوجيا مدرسة يضع منهجها الحاكم ومن معه لتكون على تلك الدرجة من الإقناع لتجُر وراءها الطبقة المنفذة من المستثمرين وأصحاب الأعمال للاستفادة من آرائهم وخبراتهم، والمعروف أن المدرسة بدون مدرسين لا تستطيع أن تعلم أو تبني الأجيال وهكذا الفشل في الايديولوجيا، وقد علمنا التاريخ إذ ما عزلت الحكومة نفسها لإثراء موظفيها وبيروقراطيتها عن الطبقة المنفذة فمصير ايديولوجيتها الفشل، وجراء ذلك قام الكثير من أصحاب المال والأعمال بالهجرة من هذه الدول العربية وتوقفت حركة التطور بها، نعم إن هذه الدول تحتاج إلى تلك الشعلة لإخراجها ومواطنيها من الذل والحرمان.

وهكذا تنقل المدرسة رسالة هذا المذهب الجديد من أعلى إلى أسفل وعبر الأيام من أسفل إلى أعلى، لتصبح جزءاً من النسيج الوطني، بطبيعة المجتمعات فهي طبقية وعادةً ما تأتي المجتمعات في ثلاث وأهمها وأكثرها ثقلاً هي الطبقة الوسطى والتي يلقى على عاتقها الطاعة ومسؤولية الحكم (الشعور بامتلاك المذهب والحفاظ عليه)، أما الطبقة العاملة وعلى الرغم من إنها لا تدخل اللعبة السياسية مباشرةً إلا إن يوضع على عاتقها تنفيذ هذه الايديولوجيا وفي الدول الديمقراطية التصويت لها.

يجب أن يكون المجتمع ككل في إطار ايديولوجي متناغم، فالوصول إلى أهداف الرؤية والتحسين المستمر لها يتطلب وضع الاستراتيجيات والخطط المرنة، أما الانتكاسات المختلفة فهو نتاج خطأ في التنفيذ أو أمور اقتصادية أو كونية كالحروب أو غيرها، وعادة ما تتطلب التصحيحات الجوهرية للتغير في سلوك الفرد والجماعة وهذا بحد ذاته موضوع آخر يتطلب درجات مختلفة من الشفافية والمشاركة.

اننا هنا أمام طرح ومسمى جديد وهو التحضر ونخص به معنى حضارة (مظهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي) وحضر (استعد وهيئ) ومن هذا نستطيع ان نبلور إطاراً فكرياً ومذهبياً مكوناً من :-

1. الرقي بالإنسان العربي (معنوياً ومادياً).

2. إعداد وتهيئة الإنسان العربي إلى الرقي.