يعلم الجميع أن الفلسطينيين لا يطيقون دولة إسرائيل وكذلك اليهود لا يطيقون دولة فلسطين، سأطرح هنا بعض الأفكار لإعطاء صور يعتبرها الكثير صعبة المنال ألا وهي «جمهورية القدس» دولة ديمقراطية، وهي من مسماها تحتضن كلمة الجمهورية والمشتقة من الجماهير الذين يأتون على مختلف العروق والأديان، وستكون عاصمتها الأبدية القدس ولها عضوية في الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية.

أتت إسرائيل لتكون في سلام وحدود آمنة وتناست عمداً حقوق الفلسطينيين والذين لديهم نفس المطالب في الأمن والسلام، بل استمرت بغطرستها إلى أن أوصلتها إلى نقطة اللارجعة في الحرب على غزة فضاع الأمن والسلام، بمعنى آخر انتهى مفهوم الدولة اليهودية «إسرائيل»، إن هذا المفهوم بحد ذاته عنصري بمعنى إن لم تكن يهودياً فليس لك حق العيش في إسرائيل بينما فلسطين كانت مأهولة بالمسلمين والمسيحيين واليهود بعروقهم ومذاهبهم المختلفة وهي كذلك وستستمر هكذا.

إذاً يقترح الكاتب هنا كعلاج نهائي، الخيار الفلسطيني هو المظلة الكبيرة التي تتسع للجميع كحل نهائي لهذه المعضلة (تركيبتها القانونية موضوع آخر)، نعم هذا الخيار يشكل نقطة التوازن الإستراتيجي النهائية، ولكن الوصول إليها طريق طويل ومعقد ففي بادئ الأمر هناك الكثير من الأفراد والدول أولي الشأن استثمروا في الوضع الحالي (لأسباب مادية وسياسية) وستقوم بالمحافظة عليها ما أمكن.

يشكل خط الدفاع الأول لهذه المعضلة هو الحرس القديم والمتمسك بأيديولوجيا عتيقة أكل الدهر عليها وشرب وآخذاً بالانتقال ليبيدهم ويخلعهم من مناصبهم ويستبدلهم بجيل جديد يحمل أيديولوجيا مختلفة، وهناك من يرى أن هذا الخط هو الولايات المتحدة ولربما هذا أكثر صواباً لتأثيراته المباشرة على الواقع الحالي وليس المنظور .

وهنا لزم التطرق إلى الواقع الأميركي المؤثر على القرار الإسرائيلي الفلسطيني فهي منهكة كامل الإنهاك من حرب العراق وأفغانستان والإرهاب ناهيك من الانهيار المالي وأثره السلبي العنيف على الاقتصاد الأميركي، أما الثاني فهو انتقال الحكم إلى الرئيس أوباما والذي صرح إبان الانتخابات بأنه سيطلق العنان للدبلوماسية الأميركية بمحاورة ما يسمى أعداء أميركا للخروج من الأزمات الدولية التي وقعت فيها.

الكلام تأثيره فاعل وغير مكلف أو مدمر فإذا أخطأ المفاوض استبدل بغيره ولي الأذرع يتم بسهولة خلف الستار أما استخدام القوة فهو مدمر ولا يمكن إصلاحه أو التكهن بنتائجه، ومن شبه المؤكد أن حكومة أوباما ستفتح قنوات الاتصال مع طالبان والقاعدة شرقاً ومع حزب الله وحماس غرباً، انها الطريقة المثلى والأكثر عملية لإدارة التوتر في المنطقة وقد أعلن أوباما أنه يكن احتراما للشعب الإيراني، نعم إنه منطلق ايجابي للغاية سيشمل الشعوب الأخرى فاتحاً بذلك أبواباً من الاحترام المتبادل.

لا يخفى على الكثير من الملمين بالسياسة الأميركية الخارجية بأنها خاضعة لضغوط الكونغرس(مجلس النواب) على الرغم من اختصاص الرئيس دستورياً بالسياسة الخارجية، إلا أن اللوبي الإسرائيلي يلعب دورا فاعلا بالضغط على أعضاء الكونغرس للوقوف المتحيز لإسرائيل، ناهيك عن عدد أعضاء الكونغرس من اليهود المرتفع نسبياً مما يحول دون علاج القضية الفلسطينية.

إن ما يزيد الطين بلة، تكدس اليهود في الجهاز التنفيذي (البيت الأبيض) وخاصة قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية والكثير منهم من حملة الجنسية المزدوجة (الأميركية والإسرائيلية) إن هذه التركيبة تطعن في نزاهة رسم السياسة الخارجية الأميركية فعندما تقابل السفير أو ممثل السلام للشرق الأوسط الأميركي لا تعرف أي جهة يمثل، وأخيراً فإن الحلقة الأخيرة هي الإعلام الأميركي الذي يعطي بصفة عامة صورة حنان وعطف نحو إسرائيل وصورة إرهاب وإجرام للمسلمين والفلسطينيين مما يسير الرأي العام الأميركي نحو التأييد الأعمى لإسرائيل والضغط على حكومتهم لتأيدها.

و هكذا يفسر هذا الطرح الارتباط الاستراتيجي الإسرائيلي الأميركي المقفل من جميع الجوانب والذي يثبت أن أميركا لن تتخلى عن إسرائيل أو تنحاز عنها أبداً، إذاً ماذا يستطيع أوباما أن يفعل ليغير المسار الإستراتيجي في عملية السلام؟ ليس من المتوقع أن يأتي بشيء جديد عدا توسيع نطاق الاتصالات المختلفة لتهدئة الوضع المشحون ويحمل في يده تصريح الرئيس بوش الابن الناقص بوجود دولة فلسطينية، فإذا أراد الرئيس أوباما خلق مناخ سياسي مختلف، فما عليه إلا أن يكمل تصريح بوش بالاعتراف الرسمي الأميركي بدولة فلسطين (و يلقي الذنب على الرئيس بوش).

هذه الاتصالات الدبلوماسية والاعتراف بفلسطين سوف يأتيان بجو إيجابي يسمح لأميركا بتقليص قواتها العسكرية في المنطقة وعلى النفقات المالية المرتبطة بها، هذا من جهة أما من جهة أخرى فإننا سنشهد بشكل مكثف من قبل الحقوقيين الدوليين (القانونيين) استخدام القانون الدولي لملاحقة الساسة والقادة الإسرائيليين في المحاكم كمجرمي حرب وضد الإنسانية، إن تجريم هؤلاء القادة دولياً يعد نقطة تحول تاريخية أما الشعب الأميركي فهو طيب وعاطفي فإذا ما انكشف الأمر أمامه فإنها بداية النهاية للترتيب القديم فاتحاً الباب لإخراج جمهورية القدس كنقطة توازن نهائية يقبلها الجميع.

mona.wafik@almullaholding.com